سوسيولوجيا «التقوى الرقمية» وتسليع المقدس: بورصة الرأسمال الديني الافتراضي في المغرب المعاصر
ورقة تحليلية لمحمد جواد سيفاو تفكك تحولات السلطة الدينية في المغرب، وتبحث في العلاقة بين التقوى الرقمية والرأسمال الرمزي واقتصاد المنصات.
بقلم: محمد جواد سيفاو
باحث في علم الاجتماع والإعلام، وصحفي مهني، ومدير مؤسسة NEWS LIK الإعلامية.
ملخص تنفيذي
في المغرب، حيث قُدّر عدد هويات مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي بنحو 22.8 مليون هوية في أكتوبر 2025، بما يعادل 59.1% من مجموع السكان، وفق تقرير Digital 2026: Morocco الصادر عن DataReportal، لم يعد الخطاب الديني حكراً على المنابر المؤسسية. فمن «الشرفاء الرقميين» الذين يسوّقون خدمات «روحية» عبر فيسبوك وتيك توك وإنستغرام، إلى دعاة رقميين راكموا جماهير واسعة على يوتيوب ومنصات التواصل، تتشكّل اليوم **بورصة افتراضية للرأسمال الديني** تُتداول فيها الرمزية المقدسة وفق قواعد الخوارزميات وجاذبية «التريند». لا يتعلق الأمر بمجرد «وعظ إلكتروني»، بل بتحوّل بنيوي في شروط إنتاج السلطة الدينية وتداولها، من مؤسسة رسمية إلى سوق شبكية تتنافس فيها «التقوى» على النقرات والمشاهدات. يستكشف هذا المقال، استناداً إلى دراسات أكاديمية حديثة، منها دراسة نُشرت في *السياسة العربية* الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وأخرى في New Media & Society، ودراسات ميدانية منشورة، إلى جانب تقارير صحفية تتناول حالات مغربية محددة، آليات هذا التحول، ويفكّك اقتصاد تمثيل التقوى الذي يغلّف اقتصاداً رمزياً مزدهراً، ليطرح سؤالاً سوسيولوجياً مركّزاً: هل نشهد نهاية القداسة، أم إعادة اختراع لها في قوالب رقمية قابلة للقياس والتسعير؟
1. مدخل نظري: من «الفقيه» إلى «المؤثر» — تحوّل في موقع السلطة
لم تعد السلطة الدينية في المغرب محتكرة من المؤسسة الرسمية (المجلس العلمي الأعلى، وزارة الأوقاف) أو من العلماء التقليديين. خلصت دراسة أكاديمية للباحثة نادية العلالي، نُشرت في السياسة العربية (المجلد 13، العدد 75، يوليوز 2025، الصفحات 43–63)، إلى أن الاستعمالات الدينية لشبكات التواصل أسهمت في إعادة توزيع مواقع السلطة الدينية، وجعلتها أكثر خضوعاً للتفاوض بين الفاعلين والجمهور، وهو ما تسميه الباحثة «لامركزية السلطة الدينية» (Elalia, 2025). وتؤكد الدراسة الكمية، التي شملت عينة قصدية غير احتمالية من 80 مستجيباً من الجنسين، ابتداءً من سن 15 سنة، ضمن فئات عمرية تصل إلى 35 سنة فما فوق، واشترطت أن يكون المشاركون مستعملين للشبكات في أغراض دينية، أن 73% من أفراد العينة المستجوبة يتابعون مؤثراً دينياً، فيما تصدر ياسين العمري قائمة الدعاة المغاربة المعروفين لدى المشاركين، بعدما ذكر اسمه 21 مستجيباً من أصل 80 (أي نحو 26.25% من العينة)، وذُكر سعيد الكملي 14 مرة. وتصرّح الباحثة صراحة بأن العينة «غير احتمالية ولا تمثل مجتمع البحث بأكمله» (Elalia, 2025)، وهي نقطة منهجية جوهرية ينبغي استحضارها عند أي تعميم: فنسبة 73% لا تصف الشباب المغربي عموماً، ولا حتى عينة عشوائية من مستخدمي الشبكات الاجتماعية، بل تصف فئة محددة من المستجوبين اختيرت وفق معايير دينية. كما أن ذكر اسم داعية في إجابات المستجوبين لا يعني بالضرورة أنهم يتابعونه أو أنهم من جمهوره الفعلي.
هذا التحول ليس مجرد تغيير في القناة (من المسجد إلى الهاتف)، بل تغيير في طبيعة الشرعية نفسها. ففي النموذج التقليدي، تُستمد الشرعية الدينية من التكوين الفقهي، والانتماء المؤسسي، والكفاءة اللغوية في النصوص، وسلسلة النقل (السند). أما في النموذج الرقمي، فتتشكل الشرعية عبر ما يمكن تسميته «رصيد المرئية الخوارزمية» : «الظهور يولّد التكرار، والتكرار يولّد الألفة، ثم تتحول الألفة إلى ثقة، والثقة إلى رأسمال رمزي». وتشير دراسة Dody Sulistio (2026)، وهي دراسة تحليلية موضوعية للأدبيات المنشورة وأمثلة مختارة من الدعوة الرقمية وتداول الفتاوى، إلى أن السلطة الدينية الإسلامية في البيئة الرقمية أصبحت تتشكل عند تقاطع عناصر تقليدية، مثل التكوين الديني والنسب والمعرفة التراثية، مع عناصر جديدة مرتبطة بالمرئية الخوارزمية ومنطق المنصات ومؤشرات التفاعل. ويقترح الباحث أن هذا التداخل ينتج أشكالاً هجينة من السلطة الدينية، تجمع بين الرأسمال الديني والرأسمال الرقمي، بدلاً من أن يحل أحدهما محل الآخر (Sulistio, 2026). وهذا أدق من القول إن المؤهل الديني «لم يعد مهماً»؛ فالعناصر التقليدية تظل حاضرة، لكنها تتفاعل مع شروط جديدة للظهور والاعتراف.
غير أن هذا التحول لا يعني أن الخوارزمية أصبحت وحدها محددة للسلطة الدينية، ولا أن ثنائية «الفقيه/المؤثر» ثنائية مطلقة. فقد يكون المؤثر نفسه فقيهاً أو أستاذاً جامعياً أو واعظاً تابعاً لمؤسسة دينية، وقد يستعمل الفاعل المؤسسي المنصات بنجاح. فالأولى الحديث عن تعدد مصادر الشرعية، لا عن انتقال حتمي للسلطة من المؤسسة إلى المؤثر. فالخوارزمية تؤثر في المرئية، بينما تتداخل معها عوامل أخرى: التكوين والمعرفة الدينية، والثقة الاجتماعية المتراكمة خارج الإنترنت، والاعتراف المؤسسي، والانتماء العائلي والمحلي، والقدرة على بناء علاقات وجدانية مع الجمهور، وتصورات المتابعين المسبقة عن الدين. وبالتالي، تصبح الشرعية نتيجة تفاعل بين المؤسسة والجمهور والمنصة والفاعل الديني، لا نتيجة إحلال أحادي. وفي هذا السياق، يقدم كتاب Gary R. Bunt، Hashtag Islam* (2018)، خلفية أكاديمية مهمة لفهم كيف تحوّل البيئات الإسلامية الرقمية أنماط السلطة الدينية التقليدية، وتتيح أشكالاً جديدة من التحدي والتفاوض داخل الحقل الديني.
2. مفاهيم جديدة لتحليل «التقوى الرقمية»
قبل الولوج إلى آليات «تسليع المقدس»، لا بد من صياغة ترسانة مفاهيمية قادرة على التقاط خصوصية الظاهرة، مع التمييز الصارم بين ثلاثة مستويات متداخلة لكن غير مترادفة: التدين الرقمي (ممارسة الدين والتفاعل معه عبر الوسائط الرقمية)، و التسليع الديني (تحويل بعض الخدمات والرموز والتجارب الدينية إلى منتجات قابلة للبيع)، و الاقتصاد السياسي للمنصات (تحويل الانتباه والتفاعل إلى قيمة اقتصادية تتحكم المنصات في توزيعها). فليس كل مؤثر ديني يمارس تسليعاً للمقدس، وليس كل محتوى ديني قابل للانتشار ينتج رأسمالاً اقتصادياً، وليس كل من يتلقى مقابلاً مالياً عن عمل ديني يمارس استغلالاً.
(أ) «بورصة الرأسمال الديني الافتراضي» (Virtual Religious Capital Exchange).
يستعير هذا المفهوم من بيير بورديو تصوّره للرأسمال الرمزي وللحقل الديني، لكنه يوسّعه ليشمل المنطق الاقتصادي الخوارزمي. ففي تحليله للحقل الديني، يبرز بورديو التمايز بين منتجي السلع والخدمات الدينية من المتخصصين، وبين الجمهور الذي يستهلكها أو يتلقى آثارها. ويتيح هذا التمايز فهم كيفية إنتاج الرأسمال الديني وتوزيعه داخل الحقل، وإمكان تحويل بعض أشكاله إلى موارد رمزية أو اقتصادية وفق شروط اجتماعية محددة (Bourdieu, 1991). كما يتيح تصوّره لأشكال الرأسمال (1986) فهم كيفية انتقال الفاعل بين الرأسمال الديني والرمزي والاقتصادي وفق شروط الحقل وآليات الاعتراف. أما في البورصة الافتراضية، فإن الرأسمال الديني يُنتَج ويُتداول وفق قواعد جديدة: مورد الانتباه هو التفاعل (الإعجاب، المشاركة، التعليق، المشاهدة)، القابل للتحويل إلى عائد إعلاني أو رعاية تجارية أو بيع خدمات وفق شروط المنصة. وهنا ينبغي التمييز بين مؤشرات التعرض والانتباه (المشاهدات، الوصول، مدة المشاهدة) ومؤشرات التفاعل (الإعجاب، التعليق، المشاركة) و مؤشرات التحويل الاقتصادي (الإعلانات، الرعاية، بيع الخدمات)؛ فليست كلها متطابقة. أما السلعة، فليست التقوى في ذاتها، وإنما بعض تمثيلاتها وخدماتها وتجاربها الروحية، حين يعاد إنتاجها في صورة محتوى أو عرض قابل للتسويق والاستهلاك. وآلية توزيع المرئية هي الخوارزمية، بينما تتحدد القيمة الاقتصادية عبر آليات تحقيق الدخل والرعاية التجارية وسوق الإعلانات، بما يجعل التفاعل مورداً قابلاً للتحويل إلى عائد مالي وفق شروط المنصة. وتقدم بعض الحالات التي تناولتها الصحافة المغربية مؤشرات على وجود ممارسات تستثمر الرمزية الدينية في تسويق خدمات روحية عبر المنصات. ففي تقرير نشرته هسبريس في أبريل 2026، اعتبر خالد التوزاني أن بعض هذه الممارسات تقوم على تحويل رمزية النسب الشريف إلى مورد اقتصادي قابل للتسويق، كما أشار إلى إمكان استهداف فئات محددة عبر أدوات الإعلان الرقمي (بوفرتيح, 2026). وهنا تتحول رمزية النسب الشريف، بما تختزنه من اعتراف اجتماعي ومكانة تاريخية، إلى مورد قابل للاستثمار الاقتصادي عبر إعادة توظيفها في التسويق الرقمي للخدمات الروحية — وهذا لا يخالف منطق بورديو، بل يطبّقه في سياق جديد، حيث يظل الرأسمال الرمزي قابلاً للتحويل إلى أشكال أخرى من الرأسمال وفق شروط اجتماعية وتقنية معينة. لكن يجب التنبيه إلى أن مفهوم البورصة استعارة تحليلية، وليس إثباتاً لوجود سوق موحدة أو آلية تسعير فعلية لكل أشكال التدين الرقمي. كما أن هذه المعطيات تظل تصريحات تفسيرية واردة في مادة صحفية، وليست نتائج دراسة مستقلة لحسابات إعلانية أو معاملات مالية موثقة.
(ب) «السلطة السائلة» (Liquid Authority):
صاغ هذا المفهوم باحثون في دراسة نُشرت في New Media & Society (2026)، استناداً إلى 40 مقابلة شبه مهيكلة أُجريت بين نوفمبر 2024 وفبراير 2025 في المغرب ومصر وقطر والإمارات (موزعة على البلدان الأربعة، دون أن يحدد الملخص عدد المقابلات في كل بلد)، لوصف كيفية تشكّل المصداقية الدينية الرقمية لدى المؤثرين اليوميين (Everyday Influencers)، أي الفاعلين المندمجين في شبكات الأقران والعلاقات القريبة. فالمصداقية لا تنبع من التفويض المؤسسي وحده، بل من «الثقة، والقرب العلائقي، والظهور الخوارزمي». وتخلص الدراسة إلى أن وسائل التواصل تكمّل الممارسة الدينية التقليدية بدلاً من أن تحلّ محلها، وأن العلماء الرسميين يظلون مركزيين في السلطة المؤسسية (Zaid, Ibahrine & Ben Moussa, 2026). ويوظف هذا المقال المفهوم، مع التحفظ على اختلاف سياقاته، لفهم بعض التحولات الأوسع في السلطة الدينية الرقمية. وهو ليس ابتكاراً خاصاً بهذا المقال؛ مساهمتنا هي توظيفه نقدياً وربطه بمفهوم بورصة الرأسمال الديني الافتراضي.
(ج) «التقوى الاستعراضية» (Performative Piety):
يشير هذا المفهوم، في هذا المقال، إلى انتقال بعض علامات الورع من مجال الممارسة الشخصية إلى مجال العرض البصري والتفاعل الاجتماعي، حيث تصبح قابلة للمشاهدة والتداول والتقييم داخل المنصات الرقمية. ويستند هذا المفهوم إلى ثلاثة اتجاهات نظرية: إرفينغ غوفمان (1959) في «تقديم الذات» وإدارة الانطباع؛ وغي ديبور (1967/1994) في «مجتمع الفرجة» وتحول العلاقات إلى تمثيلات؛ وبيير بورديو في «التمييز» وإنتاج الشرعية الرمزية. لكن ينبغي ألا يقع التحليل في خطأ مساواة إظهار التدين بالنفاق أو التسويق بالضرورة؛ فالأداء الديني المرئي قد يكون تعبيراً صادقاً عن الممارسة الدينية، وقد يكون استراتيجية لبناء الصورة، وقد يجمع بين الأمرين. المفهوم يدرس كيفية عرض علامات الورع وإدارتها اجتماعياً، وليس إصدار أحكام على صدق إيمان الأشخاص. وهذا يحمي المقال من التحول إلى خطاب أخلاقي أو اتهامي. ويُقدَّم هذا المفهوم هنا بوصفه أداة إجرائية لتحليل الكيفية التي تُعرض بها بعض علامات الورع وتُدار اجتماعياً داخل المنصات، وكيف يمكن أن تسهم هذه الممارسات في إنتاج الاعتراف والمرئية، دون افتراض أن كل إظهار للتدين ينطوي على استراتيجية تسويقية.
(د) «الوساطة الخوارزمية لإنتاج المرئية الدينية» (Algorithmic Mediation of Religious Visibility):
بدل القول إن الخوارزمية تحدد من يستحق السلطة الدينية، وهو ادعاء لا يمكن إثباته تقنياً، نقترح هذا المفهوم الأدق: فالخوارزمية لا تقيس التدين، ولا تمنح الشرعية الدينية بالمعنى الفقهي، بل ترتّب المحتوى وفق أنظمة توصية وأهداف منصاتية ومؤشرات تفاعل (Bucher, 2018). وهي بهذا المعنى وسيط بين منتج المحتوى وجمهوره، يحدد المرئية دون أن يحدد القداسة. وهذا التمييز ضروري لتفادي اختزال السلطة الدينية في الخوارزمية.
(هـ) التمييز بين الرأسمال والريع:
من الإضافات التحليلية المهمة التي يقتضيها التحليل الدقيق، التمييز بين: الرأسمال الديني (الاعتراف بالمعرفة أو المكانة الدينية)؛ الرأسمال الرمزي (الثقة والهيبة والاعتراف الاجتماعي)؛ رصيد المرئية الخوارزمية (مجموع فرص الظهور والوصول والتوصية التي يحققها فاعل أو حساب رقمي داخل المنصة، بفعل تفاعل الجمهور وانتظام النشر وخصائص المحتوى وآليات الترتيب والتوصية — وهو مفهوم إجرائي يقترحه هذا المقال، وليس مفهوماً مستقراً ومتفقاً عليه في الأدبيات السوسيولوجية)؛ الريع المنصاتي (العائد الاقتصادي المرتبط بموقع الفاعل داخل بنية المنصة وآليات توزيع القيمة، لا كل دخل رقمي)؛ الرأسمال الاقتصادي (الموارد المالية المتراكمة). فليس كل دخل مالي ينتج عن المحتوى الديني رأسمالاً دينياً، وليس كل رأسمال ديني يتحول إلى دخل. وهذا التفكيك يمنع استعمال كلمة «رأسمال» باعتبارها مرادفاً عاماً لكل شيء. كما ينبغي التمييز بين دخل المنصة أو عائدات تحقيق الدخل، ومداخيل الرعاية والإعلانات، ومداخيل بيع الخدمات، والرأسمال الاقتصادي المتراكم.
3. اقتصاد تمثيل التقوى: حين تدخل الرموز الدينية مجال التسويق الرقمي:
في بعض صور التدين الرقمي، تتداخل الدوافع التعبدية والتواصلية مع اعتبارات اقتصادية وتسويقية، وهو ما يفرض دراسة الحدود الفاصلة بين الدعوة الدينية وتقديم الخدمات الروحية وتحقيق الدخل. ولا يتعلق الأمر بالحكم على صدق التدين أو نيات الفاعلين، بل بتحليل الكيفية التي تتحول بها بعض علامات الورع والرموز الدينية إلى موارد للظهور والاعتراف، وقد تصبح، في حالات محددة، جزءاً من عروض تجارية أو خدمات مدفوعة. وهذا ما يمكن تسميته «تسليع المقدس» (Commodification of the Sacred): إخضاع بعض الرموز والخدمات والتجارب الدينية لمنطق السوق، من خلال تحويلها إلى عروض قابلة للتسويق والتبادل وتحقيق العائد الاقتصادي، أو توظيفها في بناء علامات تجارية وشخصيات مؤثرة تستثمر الثقة والاعتراف الدينيين. ولا يعني ذلك أن كل ممارسة دينية مرئية أو كل نشاط دعوي يندرج ضمن التسليع؛ إذ يتطلب الأمر وجود علاقة قابلة للرصد بين الرمز الديني وآليات التسويق أو التبادل أو تحقيق القيمة الاقتصادية. وقد وثّقت أدبيات متخصصة في نقد تسليع الدين والروحانيات هذه العملية، ومن أبرزها كتاب Selling Spirituality: The Silent Takeover of Religion لجيريمي كاريت وريتشارد كينغ (Carrette & King, 2005)، وكتاب Brands of Faith: Marketing Religion in a Commercial Age لمارا أينشتاين (Einstein, 2008). وفي دراسة تحليلية تركيبية ذات نطاق عالمي، يناقش Asongu (2026) مفهوم «ريادة الأعمال المقدسة» (Holy Entrepreneurship)، بوصفه تحويلاً للسلطة الدينية والرموز المقدسة والثقة المجتمعية إلى قيمة اقتصادية، مع التمييز بين المبادرات الدينية ذات الطابع التضامني والممارسات القائمة على الاستغلال. غير أن هذه الدراسة ليست دراسة ميدانية عن المغرب أو عن المؤثرين الدينيين المغاربة؛ لذا ينبغي عدم تحميلها استنتاجات تتجاوز نطاقها، بل استعمالها بوصفها مرجعاً مقارناً في النقاش النظري.
في المغرب، تجلّت هذه الظاهرة بأشكال متعددة. أبرزها ما يُعرف إعلامياً بـ«الشرفاء الرقميين»: فاعلون يدّعون النسب الشريف ويقدّمون خدمات «روحية» (فك السحر، جلب الحظ، حلّ الخلافات الزوجية) عبر فيسبوك وتيك توك وإنستغرام وتيليغرام. يوضح خالد التوزاني، أستاذ جامعي ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، أن «الأمر يتعلق بظاهرة تحول ‘الديني’ إلى سلعة… حيث أصبحت ‘البركة’ منتجاً رقمياً» (بوفرتيح, 2026). ويضيف أن هذا النوع من الرقاة ليس امتداداً للنموذج القديم من الشرفاء، بل هو نموذج حداثي يقوم على تحويل رمزية الشرف إلى رأس مال اقتصادي قابل للتسويق. ويستفيد بعض هؤلاء الفاعلين، وفق تحليل التوزاني، من محدودية الضوابط المنظمة للخدمات الروحية الرقمية، ومن قدرتهم على توظيف رمزية النسب والظهور الرقمي في بناء سلطة رمزية قابلة للاستثمار الاقتصادي. لكن ينبغي التمييز بين تفسير الخبير (إمكان استهداف النساء بين 30 و50 سنة) وإثبات النشاط الإعلاني (الذي يتطلب دراسة تقنية لحسابات محددة)؛ كما ينبغي الحديث عن «حالات مرصودة» و«ممارسات» بدلاً من الإيحاء بوجود سوق وطنية محددة الحجم، ما دام لا يتوفر إحصاء وطني لعدد هؤلاء الفاعلين أو حجم معاملاتهم. كما لا تثبت المادة الصحفية وحدها أن جميع الأشخاص الذين يقدمون خدمات الرقية أو يتحدثون عن النسب الشريف يمارسون الاحتيال؛ ينبغي إبقاء وصف الممارسات مرتبطاً بما يثبت فيها من ادعاءات مضللة أو تحصيل مالي أو استغلال، لا تعميم الاتهام على فئة كاملة.
أما بعض الدعاة الذين ينشطون في المنصات، فقد يتأثرون بدورهم بشروط اقتصاد الانتباه، من حيث انتظام النشر، وتكييف أشكال العرض، والسعي إلى توسيع الجمهور. غير أن درجة ارتباط هذه الممارسات بتحقيق الدخل أو تسليع الرموز الدينية تختلف من فاعل إلى آخر. فالنموذج الرقمي يفرض إنتاجية عالية (فيديو قصير، مؤثر بصري، إيقاع سريع)، وهو ما قد يجعل «العمق الفقهي» أقل توافقاً مع «التريند»، و«التبسيط» شرطاً للبقاء في السوق. لكن ينبغي الحذر: القول إن العمق الفقهي أصبح عائقاً أمام التريند فرضية تستحق الدراسة، وليس حقيقة مثبتة بمجرد كون المحتوى الديني قصيراً أو مرئياً. يمكن أن يكون المحتوى القصير عميقاً، ويمكن أن يكون المحتوى الطويل سطحياً. ما ينبغي تحليله هو أثر شروط المنصة في الانتقاء والتبسيط وأنماط العرض، لا إصدار حكم على العلاقة الضرورية بين الشكل والمضمون. وتُظهر الدراسة النتنوغرافية لصفحة ياسين العمري على فيسبوك، خلال ملاحظة متقطعة استمرت ثلاثة أشهر (من أغسطس إلى نوفمبر 2024)، أنه لم يكن يلجأ إلى التدوينات المكتوبة إلا نادراً في بداية فترة الملاحظة، قبل أن يتجه لاحقاً إلى زيادة استخدامها، إلى جانب مقاطع الفيديو الطويلة والقصيرة (Elalia, 2025). أما أرقام المتابعين وتقديرات المداخيل، فينبغي تقديمها بوضوح باعتبارها تقديرات آلية غير مؤكدة، لا بيانات مالية فعلية، مع تاريخ الرصد ورابط صفحة التقديرات، أو حذفها إذا تعذر ذلك.
4. «السلطة السائلة»: تفكيك علاقة المؤثر بالجمهور:
لا يمكن فهم «بورصة الرأسمال الديني» دون تحليل العلاقة التفاوضية بين المؤثر ومتابعيه. تقترح دراسة New Media & Society مفهوم «السلطة السائلة» لوصف هذه العلاقة: فالمصداقية الدينية الرقمية «تتشكل عبر الثقة، والقرب العلائقي، والظهور الخوارزمي» (Zaid, Ibahrine & Ben Moussa, 2026). والدراسة النتنوغرافية لصفحة ياسين العمري تكشف عن شكلين تحليليين للعلاقة رصدتهما الباحثة:
– الشكل الأول (تقليدي مُعاد إنتاجه): علاقة ولاء وتبجيل، يشبه فيها المؤثر «الشيخ والمريد». يهبّ المتابعون للدفاع عنه في النزاعات الرقمية، كما حدث عندما انتقد مسلسل «المكتوب» في رمضان، فسارعوا إلى مواجهة منتقديه. هنا، تعمل الوسائط الاجتماعية كفضاء جديد لبنية سلطة قديمة.
– الشكل الثاني (تفاعلي حديث): تتخذ العلاقة طابعاً تفاوضياً، إذ يستطيع المتابع مناقشة خطاب المؤثر والتعقيب عليه، بما يحدّ من احتكار هذا الأخير للتأويل والتوجيه. ويصبح خطاب المؤثر نسبياً وقابلاً للمناقشة والتعقيب، بما ينزع عنه طابع القدسية، وفق تحليل العلالي (2025).
هذا التمايز مهم سوسيولوجياً: فهو يكشف أن «التقوى الرقمية» ليست كتلة واحدة، بل حقل متنازع عليه. فبعض الجمهور يبحث عن «الأب الرمزي» الذي يعيد إنتاج الطمأنينة التقليدية، بينما يبحث آخر عن «المؤثر الصديق» الذي يخضع للتفاوض والمساءلة. لكن الدراسة لا تثبت أن الفئة الثانية تتكون غالباً من الشباب، ولا أنها تمثل اتجاهاً عاماً لدى الشباب المغربي؛ إنها تصنيف تحليلي لعلاقات رصدتها الباحثة. وتُظهر الدراسة أن 90.5% من أفراد العينة المستجوبة يعتبرون الشبكات «وسيلة للدفاع عن الدين الإسلامي في حال المساس بمقدساته»، وهو ما يشير إلى أن التدين الرقمي لا يعني بالضرورة «علمنة» الدين، بل إعادة تشكيله في قوالب نضالية جديدة (Elalia, 2025). وفي الحالتين، تسهم أنظمة التوصية والترتيب داخل المنصات في توزيع المرئية، عبر ترجيح محتويات وإتاحة فرص وصول أوسع لها وفق مؤشرات تقنية وسلوكية وتجارية. غير أن هذه الأنظمة لا تعمل بمعزل عن اختيارات المستخدمين، وشبكات العلاقات الاجتماعية، واستراتيجيات إنتاج المحتوى، والإعلانات المدفوعة، وسياسات المنصات. ومن ثم، فهي تؤثر في شروط الظهور والتداول، دون أن تحدد وحدها ما يكتسب الشرعية أو ما يستحق التقديس.
5. نحو اقتصاد سياسي للقداسة الرقمية: نموذج تحليلي
يمكن الآن صياغة الأطروحة المركزية في صيغة أكثر إحكاماً: لا تؤدي الرقمنة إلى مجرد نقل السلطة الدينية من المؤسسات التقليدية إلى المؤثرين الرقميين، وإنما تعيد تشكيل شروط إنتاج الشرعية الدينية وتداولها. ففي البيئة المنصاتية، تتفاعل الموارد الدينية والرمزية والاجتماعية مع آليات الوساطة الخوارزمية واقتصاد الانتباه، بما يتيح نشوء مسارات جديدة لتحويل الاعتراف الديني إلى مرئية رقمية، ثم إلى نفوذ اجتماعي أو قيمة اقتصادية. ومن ثم، فإن ما يمكن تسميته «بورصة الرأسمال الديني الافتراضي» لا يشير إلى اختفاء المؤسسة الدينية أو زوال القداسة، بل إلى ظهور حقل تنافسي تتعدد داخله مصادر الشرعية، وتتفاوت فيه إمكانات تحويل الرأسمال الديني إلى مكاسب رمزية واقتصادية.
ويقترح المقال، لتفكيك هذا الحقل، تصنيفاً تحليلياً لأربعة أنماط مثالية من الفاعلين، يقوم على مصدر الشرعية الغالب وطبيعة النشاط الأساسي، لا على هوية ثابتة أو خصائص حصرية للفاعل. فالنمط الأول هو الفاعل الديني المؤسسي، الذي يستمد شرعيته من التفويض والتكوين، وتتمثل طبيعة نشاطه في التأطير الديني داخل المؤسسات الرسمية. أما النمط الثاني فهو الداعية الرقمي، الذي يقوم مصدر شرعيته على المعرفة والخطاب والجمهور، ويتمحور نشاطه حول الوعظ والتوجيه عبر المنصات. ويأتي النمط الثالث في صورة المؤثر الديني اليومي، الذي يستمد شرعيته من الثقة والقرب الاجتماعي، وتتجلى طبيعة نشاطه في التأثير داخل الشبكات العلائقية للأقران. وأخيراً، يمثل المسوّق للخدمات الروحية النمط الرابع، حيث يستند في شرعيته إلى النسب والرمزية والادعاء، وتتمثل طبيعة نشاطه في بيع خدمات روحية عبر المنصات. وتمثل هذه الفئات أنماطاً تحليلية مثالية، وليست فئات اجتماعية مغلقة أو متعارضة بالضرورة؛ إذ يمكن أن يجمع الفاعل الواحد بين أكثر من مصدر للشرعية ونمط من النشاط: فالداعية الرقمي قد يكون فاعلاً مؤسسياً في الوقت نفسه، والمؤثر اليومي قد يكون واعظاً، ومقدم الخدمات الروحية قد يدعي امتلاك شرعية دينية.
تمثل هذه الفئات أنماطاً تحليلية مثالية، وليست فئات اجتماعية مغلقة أو متعارضة بالضرورة؛ إذ يمكن أن يجمع الفاعل الواحد بين أكثر من مصدر للشرعية ونمط من النشاط: فالداعية الرقمي قد يكون فاعلاً مؤسسياً في الوقت نفسه، والمؤثر اليومي قد يكون واعظاً، ومقدم الخدمات الروحية قد يدعي امتلاك شرعية دينية. وهذا التصنيف يسمح بمقارنة الحالات دون الخلط بين الدعوة الدينية والشعوذة والاستغلال التجاري. كما يسمح بتتبع مسارات التحويل بين أنواع الرأسمال: من الموارد الأولية (المعرفة الدينية، النسب، السمعة، الثقة الاجتماعية) إلى آليات التحويل الرقمي (صناعة المحتوى، تقديم الذات، التفاعل، الوساطة الخوارزمية)، ثم إلى تراكم رصيد المرئية الخوارزمية (المرئية، الجمهور، الاعتراف، الثقة)، وأخيراً إلى التحويل الاقتصادي (الإعلانات، الرعاية، الخدمات المدفوعة) والتحويل الرمزي (الشرعية، التأثير، السلطة الاجتماعية). لكن التحويل ليس خطياً بالضرورة: فقد يمتلك فاعل ديني جمهوراً كبيراً دون أن يحقق دخلاً مهماً، وقد يحقق آخر دخلاً دون أن يحظى باعتراف ديني، وقد يفقد فاعل ثالث مصداقيته نتيجة الإفراط في التسويق. وهنا تظهر أهمية دراسة التوتر بين أنواع الرأسمال المختلفة.
أما «المؤسسة الرسمية» (وزارة الأوقاف، المجلس العلمي) فتطرح هذه التحولات سؤالاً حول مدى قدرتها على التكيف مع أنماط الاستهلاك الرقمي، وحول طبيعة العلاقة بين شرعيتها المؤسسية والمرئية التي يحققها الفاعلون الدينيون المستقلون. ويشير تقرير صادر عن مؤسسة كونراد أديناور بالتعاون مع مؤسسة الحوكمة والسيادة العالمية إلى أن الدبلوماسية الدينية المغربية توظّف الإرث المالكي والتصوف والمؤسسات الدينية في تعزيز القوة الناعمة، في إطار استثمار في الرأسمال الرمزي (Global Governance & Sovereignty Foundation & Konrad-Adenauer-Stiftung, 2026). غير أن هذا التقرير يتناول توظيف الدولة للرأسمال الديني كقوة ناعمة، ولا يثبت وحده أن المؤسسات الرسمية «منافس ضعيف» للمؤثرين الرقميين، ولا أن الشباب المغربي يفضل المؤثر على الفقيه. لذا ينبغي الاكتفاء بالقول إن هناك فجوة محتملة بين نموذج البث التقليدي وأنماط الاستهلاك الرقمي، وهي فجوة تستحق بحثاً مستقلاً.
هذا لا يعني أن «الدين» قد «انتصر» على «السوق» أو العكس، بل أن منطق السوق قد استُدمج في إنتاج الخطاب الديني بدرجة غير مسبوقة. وتسهم أعمال مثل Campbell & Bellar (2023) في فهم التحولات في الممارسة الدينية والسلطة الدينية والعلاقة بين الممارسات الرقمية وغير الرقمية، دون أن تحسم النقاش حول «تسليع الدين» بمعنى إعادة تشكيل المعنى الديني ضمن «ثقافة المستهلك الرقمية». والسؤال الأخلاقي/السوسيولوجي المُلحّ هو: إذا كانت «التقوى» تُقاس بالنقرات، فما الذي يتبقى من القداسة عندما تصبح قابلة للقياس والتسعير؟
6. منهجية المقال وحدوده التجريبية
من الضروري، من باب الأمانة العلمية، توضيح طبيعة هذا النص وحدوده. فهو مقال تحليلي سوسيولوجي قائم على مراجعة الأدبيات والدراسات السابقة، مع توظيف حالات مغربية، وليس بحثاً ميدانياً أو دراسة إمبريقية أصلية. ويستند المقال إلى: دراسة نادية العلالي ذات العينة المكونة من 80 مستجيباً، وهي عينة قصدية غير احتمالية اشترطت أن يكون المشاركون مستعملين للشبكات في أغراض دينية (Elalia, 2025)؛ ودراسة Zaid وIbahrine وBen Moussa القائمة على 40 مقابلة نوعية موزعة على أربعة بلدان، والتي ركزت على المؤثرين اليوميين (Zaid et al., 2026)؛ ودراسة Sulistio التحليلية الموضوعية للأدبيات والأمثلة الرقمية (Sulistio, 2026)؛ وتقرير صحفي يتضمن تصريحات خبير حول «الشرفاء الرقميين» (بوفرتيح, 2026)؛ وإحصائيات المنصات (DataReportal, 2025)؛ ومراجع نظرية في سوسيولوجيا الدين والمنصات. لكنه لا يقدم مقابلات أجراها صاحب المقال، ولا ملاحظة رقمية مستقلة، ولا تحليلاً لمجموعة محددة من الحسابات الدينية. وعليه، فإن أي تعميم للنسب المذكورة على مجموع الشباب المغربي يظل مقيّداً بطبيعة العينات. كما أن مفهوم «بورصة الرأسمال الديني الافتراضي» يظل نموذجاً تحليلياً مقترحاً، وليس نتيجة تجريبية مثبتة بعد، ولا يثبت وجود سوق وطنية متكاملة أو يقيس حجمها المالي.
7. خاتمة: نحو سوسيولوجيا نقدية للقداسة الرقمية
لا يهدف هذا المقال إلى إصدار حكم أخلاقي على «المؤثرين الدينيين» أو على «الشرفاء الرقميين». فالظاهرة معقدة: فيها من الابتكار ما فيها، ومن الاستغلال ما فيها، ومن إعادة اختراع التضامن الروحي ما فيها، ومن تسليع أعمق المشاعر الإنسانية ما فيها. لكن ما يفرض نفسه على التحليل السوسيولوجي هو أن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد «أداة» يستخدمها الفاعلون الدينيون، بل أصبح «حقلًا» له قوانينه الخاصة — حقل تتنازع فيه شرعيات متعددة، وتتشكل فيه «قداسة» جديدة لا تعرف المؤسسة التقليدية كيف تتعامل معها.
في المغرب، حيث بلغت هويات مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي 22.8 مليون هوية، بما يعادل 59.1% من السكان، وحيث يعادل وصول إعلانات فيسبوك المحتمل 84.5% من السكان البالغين، وفق تقديرات أدوات Meta الإعلانية الواردة في تقرير DataReportal لعام 2026، فإن «بورصة الرأسمال الديني» ليست استثناءً بل نموذجاً. وهي تطرح أسئلة تتجاوز الحدود الوطنية: عن مستقبل السلطة الدينية في المجتمعات المسلمة، وعن إمكانية «أخلاقية رقمية» تحمي المقدس من التحول إلى مجرد «محتوى»، وعن دور الدولة — ليس في «تنظيم الفتوى» فقط، بل في تنظيم اقتصاد الرمز، وهو ما يمكن أن يشمل: شفافية الإعلانات المدفوعة والترويج التجاري للخدمات الروحية؛ ومكافحة النصب والاحتيال والاستغلال المالي؛ وحماية المستهلك من الادعاءات العلاجية المضللة؛ وحماية البيانات والخصوصية؛ وضمان عدم تحول تنظيم الأنشطة التجارية إلى مراقبة عامة للمعتقد أو التعبير الديني. وبهذا المعنى، فإن ما يقدمه التحليل ليس إدانة للتدين الرقمي ولا احتفاءً به، بل محاولة لردّ الظاهرة إلى شروطها الاجتماعية والاقتصادية والخوارزمية، وكشف الكيفية التي تُصنع بها القداسة وتُوزَّع وتُسعَّر في الفضاء الافتراضي.
ويمكن أن يُفتح هذا التحليل على فرضيات بحثية قابلة للاختبار، تصلح لتطوير المشروع ميدانياً: (1) كلما ارتفع رصيد المرئية الخوارزمية لفاعل ديني، ازدادت فرص تراكم رأسماله الرمزي، لكن ليس بالضرورة رأسماله الديني أو الاقتصادي؛ (2) تتوقف إمكانية تحويل الرأسمال الديني إلى عائد اقتصادي على طبيعة الجمهور وآليات تحقيق الدخل وشروط المنصة؛ (3) يؤدي التنافس على الانتباه إلى إعادة تشكيل أساليب تقديم الخطاب الديني، دون أن يعني ذلك بالضرورة تراجع المعرفة الفقهية؛ (4) تتعايش الشرعية المؤسسية والشرعية الشبكية في علاقة تنافس وتكامل، وليست بالضرورة علاقة إحلال. وهذه الفرضيات تفتح الباب أمام تحليل محتوى مجموعة من الحسابات الدينية المغربية، ومقابلة أصحابها ومتابعيها، ودراسة أنماط التمويل والتفاعل.
القداسة، على ما يبدو، لم تمت. لكنها دخلت البورصة. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً هو: من يملك حصة الأغلبية في رأسمالها الرمزي؟
مراجع وإحالات
– Asongu, Januarius J. “Holy Entrepreneurship and the Commodification of the Sacred: A Critical Synthetic Realist Analysis of Faith, Markets, and Exploitation in a Global Context.” *International Journal of Research and Innovation in Social Science*, vol. 10, no. 5, 2026, pp. 4206–4219. [https://doi.org/10.47772/IJRISS.2026.100500286](https://doi.org/10.47772/IJRISS.2026.100500286)
– Bourdieu, Pierre. “The Forms of Capital.” In *Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education*, edited by John G. Richardson, Greenwood Press, 1986, pp. 241–258.
– Bourdieu, Pierre. “Genesis and Structure of the Religious Field.” *Comparative Social Research*, vol. 13, 1991, pp. 1–44.
– Bucher, Taina. *If…Then: Algorithmic Power and Politics*. Oxford University Press, 2018. [https://doi.org/10.1093/oso/9780190493028.001.0001](https://doi.org/10.1093/oso/9780190493028.001.0001)
– Bunt, Gary R. *Hashtag Islam: How Cyber-Islamic Environments Are Transforming Religious Authority*. University of North Carolina Press, 2018. [https://doi.org/10.5149/northcarolina/9781469643168.001.0001](https://doi.org/10.5149/northcarolina/9781469643168.001.0001)
– Campbell, Heidi A., and Wendi Bellar. *Digital Religion: The Basics*. Routledge, 2023.
– Carrette, Jeremy, and Richard King. *Selling Spirituality: The Silent Takeover of Religion*. Routledge, 2005.
– DataReportal. “Digital 2026: Morocco.” *DataReportal*, 2025. [https://datareportal.com/reports/digital-2026-morocco](https://datareportal.com/reports/digital-2026-morocco)
– Debord, Guy. *The Society of the Spectacle*. Translated by Donald Nicholson-Smith, Zone Books, 1994. Originally published in French in 1967.
– Einstein, Mara. *Brands of Faith: Marketing Religion in a Commercial Age*. Routledge, 2008.
– Elalia, Nadia. “Religious Usages of Social Media: Redefining Religious Authority in Morocco.” *Siyasat Arabiya*, vol. 13, no. 75, 2025, pp. 43–63. [https://doi.org/10.31430/NHFS4697](https://doi.org/10.31430/NHFS4697)
– Global Governance & Sovereignty Foundation and Konrad-Adenauer-Stiftung. *Morocco’s Religious Diplomacy at a Crossroads*. Morocco Radar, Policy Brief 08, 2 Mar. 2026.
– Goffman, Erving. *The Presentation of Self in Everyday Life*. Doubleday, 1959.
– Sulistio, Dody. “Algorithmic Islam and the Transformation of Islamic Authority in the Digital Age.” *Ittesaal – Journal of Connecting Discourses*, vol. 3, no. 1, 2026, pp. 25–39. [https://doi.org/10.64984/ijcd.3.1.2026.27](https://doi.org/10.64984/ijcd.3.1.2026.27)
– Zaid, Bouziane, Mohammed Ibahrine, and Mohamed Ben Moussa. “Networked Islam and Liquid Authority: Everyday Influencers and Young Muslim Practice.” *New Media & Society*, OnlineFirst, 6 Apr. 2026. [https://doi.org/10.1177/14614448261436035](https://doi.org/10.1177/14614448261436035)
– بوفرتيح، توفيق. «مواقع التواصل الاجتماعي تتحول إلى فضاء لترويج الشعوذة بغطاء ديني». *هسبريس*، 27 أبريل 2026. [https://www.hespress.com/مواقع-التواصل-الاجتماعي-تتحول-إلى-فضا-1736524.html](https://www.hespress.com/مواقع-التواصل-الاجتماعي-تتحول-إلى-فضا-1736524.html)