روتيني اليومي بالمغرب.. حين يتحول البيت والجسد إلى سلعة رقمية
قراءة سوسيولوجية في بورنوغرافيا العمارة المنزلية و”بروليتاريا الاستعراض البصري”
بقلم: محمد جواد سيفاو
(باحث في علم الاجتماع والإعلام)
لم يعد الجسد في الفضاء الرقمي المغربي كياناً بيولوجياً تحكمه أعراف “الستر” و”الحرمة” فحسب، بل صار، في ظل 35.5 مليون مستخدم للإنترنت (92.2% من السكان) و22.8 مليون هوية نشطة على منصات التواصل، مورداً اقتصادياً ورمزياً قابلاً للتداول. وتُظهر البيانات أن سوق التسويق عبر المؤثرين في المغرب بلغ 4.2 مليارات درهم (420 مليون دولار) في 2024، بزيادة 40% عن 2022، في حين قفز عدد المؤثرين من 1400 عام 2018 إلى نحو 60 ألفاً عام 2022. هذه الأرقام لا تعكس مجرد “انحلال أخلاقي”، بل تحولاً بنيوياً في العلاقة بين الجسد والفضاء المنزلي والخوارزميات، يستدعي مقاربة سوسيولوجية لا خطاباً عقابياً. تحلل هذه الورقة الظاهرة من خلال أربعة مفاهيم: “خصخصة الجسد الشعبي”، و”الروتيني اليومي”، و”بورنوغرافيا العمارة المنزلية”، و”بروليتاريا الاستعراض البصري”.
من “الحرمة” إلى “المنصة”
تأسست بنية البيت المغربي التقليدي على تنظيم دقيق للحدود بين الداخل والخارج. فكما لاحظت عالمة الاجتماع صفاء منقّد، فإن “العمارة التقليدية مغلقة، إذ لا تفتح على الخارج، حافظةً بذلك ‘الداخل’ الذي يحتضن ‘الحرمة’ (النساء)”. وكان هذا التقسيم المعماري يعكس منظومة رمزية أوسع: “عتبة” الدار تفصل بين فضاءين، أحدهما مقدس (الداخل) والآخر مخصص للرجال (الخارج). غير أن هذا البناء الرمزي بدأ يتفكك، لا بسقوط مادي للجدران، بل باختراق بصري واقتصادي تعيد فيه المنصات الرقمية تشكيل حدود الظهور والاختفاء.
وتشير بيانات DataReportal إلى أن المغرب انتقل إلى مرحلة “شبه شاملة” رقمياً: 35.5 مليون مستخدم للإنترنت، و22.8 مليون هوية على وسائل التواصل، مع نمو لافت لتيك توك (16.7 مليون مستخدم بالغ، +19% في سنة) وإنستغرام (15.1 مليون، +20%). هذا الانتشار الكثيف هو الشرط التقني الذي جعل من “اليومي” مادة قابلة للعرض والتسعير.
“الروتيني اليومي”: من التسمية الشعبية إلى البنية الخوارزمية
يُستخدم تعبير “الروتيني اليومي” شعبياً وإعلامياً للإشارة إلى مقاطع فيديو تعرض تفاصيل الحياة المنزلية، وكثيراً ما تُختزل في نقاشات “خدش الحياء” أو “الحريات الفردية”. لكن المقاربة السوسيولوجية تقتضي تجاوز هذه التسمية التقييمية إلى ما تنتجه من بنية.
وتقدم دراسة محكمة لـ Moulay Driss El Maarouf وزملائه (2026) في دورية Social Identities إطاراً بالغ الأهمية هنا. إذ يرصد الباحثون انتقال المغرب إلى “نظام انتباه مُمنصَت” (platformized attention regime)، حيث تُطبَّع “الطَّفَاهة” (tafaha) — أي المشاركة منخفضة التحقق وعالية الاستثارة — عبر حوافز القياس والخوارزميات. وفي هذا النظام، لا يكون “الروتيني اليومي” مجرد فعل فردي، بل ممارسة تنتجها “بيئة الصيغ” (format ecology) التي تشمل “منافذ البث المباشر التي تسلّع الحميمية، وقوالب الاستعراض والمقالب التي تُشغّل الاستفزاز”.
وتضيف دراسة لـ Kenza Saadani Hassani (2026) أن المنصات لم تعد فضاءات تفاعل، بل “أنظمة تحقق” (systems of validation) تعيد تشكيل الهوية وفق منطق التفاعل والاعتراف وحوكمة المنصة، منتجةً ما تسميه “الهوية البلاستيكية” (plastic identity): ذات مرنة وأدائية يُعاد بناؤها باستمرار عبر تفاعل الجمهور. وبهذا المعنى، فإن “الروتيني اليومي” ليس تعبيراً عن ذات سابقة، بل تقنية لإنتاج ذات قابلة للقياس والمراكمة.
بورنوغرافيا العمارة المنزلية: عندما يصبح الداخل إطاراً بصرياً
تُستعمل عبارة “بورنوغرافيا العمارة المنزلية” هنا كاستعارة تحليلية، لا كوصف لمحتوى إباحي بالضرورة. فهي تشير إلى تحول في وظيفة الفضاء المنزلي: من فضاء للاختفاء والحماية إلى فضاء للعرض، حيث تصبح الجدران خلفيات، والأثاث إكسسوارات، والحميمية مادة بصرية.
وتؤكد الأدبيات المحكمة هذا التحول. فدراسة “الأداء المنزلي الخوارزمي” (Algorithmic Domesticity, 2026) تتساءل تحديداً: كيف تتفاوض صانعات المحتوى المغربيات على “تحويل الفضاء المنزلي الحميم والجسد الأنثوي إلى موقعين لإنتاج القيمة الرأسمالية داخل اقتصاد الانتباه على يوتيوب”؟. والإجابة التي تقدمها الدراسة لا تقوم على “انفصال” المرأة عن أدوارها المنزلية، بل على إعادة توظيفها: “لا تتخلى صانعات المحتوى المغربيات عن الأدوار المنزلية التقليدية، بل…” يُدرجنها ضمن استراتيجية العرض.
وهنا يصبح البيت، بتعبير Bourdieu، مجالاً لتراكم رأسمال رمزي قابل للتحويل إلى رأسمال اقتصادي. فقد أشارت دراسات حديثة إلى أن “الشهرة الرقمية تتحول إلى رأسمال اقتصادي واجتماعي؛ فعدد المتابعين والإعجابات يصبح مورداً مالياً قابلاً للتحويل إلى إعلانات وعقود تجارية”. وليس غريباً، في هذا السياق، أن تشير دراسة إلى أن 42% من الشابات المغربيات يرين أن معايير الجمال التي تروجها المنصات تؤثر على تقديرهن لذاتهن.
بروليتاريا الاستعراض البصري: العمل والمخاطر و”الطَّفَاهة”
يمكن فهم “بروليتاريا الاستعراض البصري” كوضعية عمل تخضع لمنطق المنصة: عرض مستمر، تقييم دائم، ومخاطر رمزية واقتصادية. وهي ليست طبقة بالمعنى الماركسي الصارم، بل موقع بنيوي ينتج عنه نمط من العمل الجسدي والعاطفي.
والأرقام تكشف هشاشة هذا الموقع. فبحسب تحقيق لـ Finances News Hebdo (أغسطس 2025)، فإن “حفنة من النجوم” فقط تتجاوز مليون درهم سنوياً، بينما يتراوح دخل “أغلب المبدعين بين 10,000 و50,000 درهم شهرياً”، مع “اعتماد شديد على شراكات العلامات التجارية”. وعائدات يوتيوب وحدها ضعيفة: CPM يتراوح بين 0.3 و0.5 دولار فقط. وهذا يعني أن “الاستعراض” ليس ترفاً، بل ضرورة اقتصادية في سوق مشبعة.
وقد رصدت دراسة El Maarouf et al. الجانب الأكثر إيلاماً في هذه البنية: ففي “بيئة الطَّفَاهة”، تصبح المشاركة منخفضة التحقق هي القاعدة، وتُكافأ الخوارزميات الاستفزاز على حساب الجودة. وتشير الدراسة إلى أن هذه الدينامية “تعيد تشكيل جودة الجمهور العام وتُحفّز الرقابة الذاتية الاستباقية”. كما أن الدولة نفسها ليست خارج اللعبة؛ إذ تتحدث الدراسة عن “توجيه استباقي” (opportunistic state steering) يساهم في تطبيع هذا النظام.
مناقشة: لماذا لا يُختزل “الروتيني اليومي” في الأخلاق؟
إن أخطر ما يهدد الفهم العلمي لهذه الظاهرة هو الاختزال الأخلاقي. فوصفها بـ”الانحلال” أو “الدعارة الرقمية” قد يريح الخطاب العام، لكنه يحجب الشروط البنيوية: خوارزميات تُكافئ الاستفزاز، واقتصاد انتباه يجعل من الجسد مورداً، وسوق مؤثرين يبلغ 4.2 مليارات درهم مع غياب تأطير قانوني واضح، وضغوط اقتصادية تدفع شباباً وبطالة تتجاوز 20%.
وفي المقابل، لا ينبغي إنكار الوكالة (agency) لدى الفاعلين. فدراسات مثل “الهوية البلاستيكية” تظهر أن المؤثرين “يتفاوضون” على الظهور والشرعية والتفاعل. لكن هذه الوكالة تحدث داخل بنية غير متكافئة، حيث تتحكم المنصات في قواعد اللعبة، وحيث تظل المرأة المغربية، كما يُظهر سياق أوسع، موضوعاً لخطابات “تسليع الجسد” و”الوصاية”، سواء في الفضاء الرقمي أو في مؤسسات الدولة ذاتها.
خاتمة: نحو مقاربة سوسيولوجية لا عقابية
تشير هذه القراءة إلى أن “خصخصة الجسد الشعبي” ليست مجرد انزلاق قيمي، بل تحول بنيوي في العلاقة بين الجسد والفضاء والمنصة. “الروتيني اليومي” ليس جوهراً ثابتاً، بل نتاج “بيئة صيغ” تُنتجها الخوارزميات واقتصاد الانتباه. و”بورنوغرافيا العمارة المنزلية” ليست حكماً على الأفراد، بل وصفاً لتفكك رمزي في حدود البيت التقليدي. و”بروليتاريا الاستعراض البصري” ليست طبقة، بل موقع هش في سوق العمل الرقمي.
وفي ضوء هذه المعطيات، فإن السؤال العلمي ليس “كيف نمنع الظاهرة؟”، بل: ما هي الشروط المؤسسية والاقتصادية التي تجعل من الجسد، وخصوصاً جسد المرأة، المورد الأكثر سيولة في اقتصاد رقمي بلا ضوابط؟ والإجابة عن هذا السؤال تتطلب سياسات تتجاوز الخطاب الأخلاقي: تنظيماً واضحاً للإعلان الرقمي، وحماية اجتماعية للعاملين في المنصات، وتعليماً إعلامياً نقدياً، ودراسات ميدانية تراعي الفروق بين المدن والقرى والطبقات والجنس.
مراجع ومصادر
-
El Maarouf, M. D., Rddad, S., & Bouzouita, S. (2026). “Ecologies of tafaha: platform attention, state steering, and public quality in Morocco.” Social Identities. DOI: 10.1080/13504630.2026.2674023.
-
Saadani Hassani, K. (2026). “From representation to algorithmic identity: Moroccan influencers and the politics of digital visibility.” The International Journal of Technology, Innovation, and Education, 4(2), 424–447.
-
“Algorithmic Domesticity: Moroccan Women YouTubers Between Cultural Respectability and Platform Capitalism.” Ikhtilaf, March 2026.
-
Boussellam, D., & Daife, Y. (2025). “L’image de la femme marocaine à l’ère numérique.” Echos Jeunes Chercheurs, 2(2), 82–93.
-
Monqid, S. (2001). “Les femmes marocaines entre privé et public.” Villes en Parallèle, n°32-34, pp. 398-405.
-
DataReportal (2025). Digital 2025: Morocco.
-
Al Jazeera (2025). “اقتصاد المؤثرين في المغرب.. نمو سريع وتحديات قانونية.”
-
Finances News Hebdo / L’ODJ (2025). “Influenceuses millionnaires au Maroc : entre argent, mirage numérique et scandales.”
-
L’ODJ / Moroccan Advertising Insights (2024). “Influence digitale au Maroc : succès réel ou image fabriquée ?”
-
Moroccan Youth Survey (2023), cited in L’ODJ.




