مجتمع
أخر الأخبار

ظاهرة التحريض الرقمي على الهجرة غير النظامية في المغرب: قراءة قانونية وأمنية

بين التعبئة عبر منصات التواصل وتشديد اليقظة الأمنية.. المغرب يواجه تحوّل الهجرة غير النظامية إلى ظاهرة رقمية

تحليل | NewsLIK

شهدت مدينة الفنيدق وضواحيها، خلال غشت 2026، عمليات أمنية لمواجهة محاولات الهجرة غير النظامية نحو سبتة، في سياق أظهرت فيه المعطيات الرسمية والإعلامية حضوراً متزايداً للفضاء الرقمي في التعبئة والدعوة إلى العبور الجماعي.

وبحسب مصدر أمني نقلت عنه وسائل إعلام مغربية، أسفرت عمليات اليقظة المعلوماتية التي باشرتها المصالح الأمنية خلال الأيام السابقة عن توقيف 61 شخصاً يشتبه في تورطهم في التحريض والترويج لدعوات الهجرة غير النظامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وفي الساعات الأولى من يوم 15 غشت، تم ضبط 111 مرشحاً للهجرة غير النظامية بمدينة الفنيدق وضواحيها، من بينهم 109 مهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء ومغربيان.

وتكشف هذه المعطيات عن تحول مهم في طبيعة الظاهرة، إذ لم تعد محاولات الهجرة الجماعية مرتبطة فقط بالتجمعات الميدانية أو شبكات التنظيم التقليدية، بل أصبحت المنصات الرقمية قادرة على تسريع انتشار الدعوات وتوسيع نطاق الوصول إليها خلال وقت قصير.

من التعبير إلى التحريض.. أين يبدأ التجريم؟

لا يعني تداول محتوى يتعلق بالهجرة غير النظامية، في حد ذاته، ارتكاب جريمة. فالتعامل القانوني مع المحتوى الرقمي يقتضي التمييز بين الخبر والرأي والتعليق من جهة، وبين الدعوة إلى ارتكاب فعل غير قانوني أو المشاركة في تنظيمه من جهة أخرى.

ويضم التشريع المغربي عدداً من النصوص التي يمكن أن تنطبق بحسب طبيعة الوقائع والأفعال المرتكبة. فقانون الصحافة والنشر رقم 88.13 يتضمن، في مادته 72، مقتضيات زجرية تتعلق بنشر أو إذاعة أو نقل أخبار زائفة أو ادعاءات أو وقائع غير صحيحة، وفق الشروط التي يحددها القانون.

كما ينظم القانون رقم 02.03 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمملكة المغربية وبالهجرة غير المشروعة عدداً من الأفعال المرتبطة بالهجرة غير النظامية، بينما يمكن أن تدخل أفعال أخرى مرتبطة بالمحتوى المنشور إلكترونياً ضمن مقتضيات القانون الجنائي بحسب طبيعة كل قضية.

لذلك، فإن اعتبار كل منشور أو فيديو حول الهجرة “تحريضاً” سيكون تبسيطاً قانونياً غير دقيق، لأن المسؤولية الجنائية ترتبط بالفعل المحدد والنية والظروف والنص القانوني المنطبق.

الخوارزميات تعيد تشكيل الظاهرة

تكمن خطورة البيئة الرقمية في قدرتها على تحويل رسالة محدودة الانتشار إلى محتوى يشاهده آلاف الأشخاص خلال فترة قصيرة. وقد وثق المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في إطار تتبعه لأحداث العبور الجماعي خلال يوليوز 2026، نشاطاً واسعاً لمجموعات ومنصات رقمية مرتبطة بالتعبئة وتبادل المعلومات والتوجيهات المرتبطة بالعبور. كما اطلع المجلس على منشورات 23 مجموعة فايسبوكية تضم مجتمعة أكثر من مليون و86 ألف عضو، بمعدل يفوق 1400 تدوينة يومياً.

وتبرز هنا إحدى أهم الإشكالات الجديدة: عندما تنتشر الدعوة عبر عشرات الحسابات والمجموعات، يصبح من الصعب اختزال الظاهرة في شخص واحد أو جهة واحدة، خصوصاً عندما يتحول المتلقي نفسه إلى ناقل جديد للمحتوى.

الأمن الرقمي بين الوقاية والحقوق

تؤكد المعطيات الأمنية أن السلطات أصبحت تعتمد، إلى جانب الانتشار الميداني، على اليقظة المعلوماتية لرصد المحتويات التي يُشتبه في ارتباطها بالتحريض على الهجرة الجماعية. وقد أكدت مصادر أمنية استمرار هذه العمليات بالتوازي مع التدخلات الميدانية لمنع محاولات العبور وتوقيف المتورطين في تنظيم الهجرة غير النظامية.

لكن هذه المقاربة تطرح في المقابل ضرورة الحفاظ على التمييز بين المحتوى الإخباري أو النقدي وبين المحتوى الذي تتوافر فيه عناصر التحريض أو المشاركة في تنظيم فعل غير قانوني.

وتزداد أهمية هذا التمييز في ظل المعطيات التي قدمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان بشأن أحداث العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية، والتي سجلت، وفق المعطيات المغربية، 14 حالة وفاة، مقابل 80 حالة وفق المعطيات الرسمية الإسبانية التي أوردها المجلس، مع استمرار أعمال التحقق وجمع المعطيات.

الأمن وحده لا يحسم الظاهرة

تكشف تجربة الفنيدق أن مواجهة الهجرة غير النظامية أصبحت تشمل المجال الرقمي إلى جانب المجال الميداني. غير أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تتوقف عند توقيف المشتبه في تورطهم في التحريض أو مراقبة المحتويات الرقمية.

فاستمرار قابلية بعض الشباب للتفاعل مع دعوات الهجرة يرتبط أيضاً بعوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، ما يجعل المقاربة الأمنية والقانونية بحاجة إلى أن تتكامل مع التوعية والوقاية والسياسات الاجتماعية.

الخلاصة

تكشف أحداث الفنيدق أن الهجرة غير النظامية دخلت مرحلة تتداخل فيها المنصات الرقمية مع الواقع الميداني. فتوقيف 61 شخصاً للاشتباه في التحريض والترويج لدعوات الهجرة، بالتوازي مع العمليات الميدانية، يعكس انتقال جزء من المواجهة إلى الفضاء الرقمي.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مراقبة المنصات، بل في تحديد اللحظة التي ينتقل فيها المحتوى من مجرد تعبير أو نقل للمعلومة إلى فعل يمكن أن تترتب عنه مسؤولية قانونية.

وفي مواجهة هذه الظاهرة، تبدو الحاجة واضحة إلى قانون دقيق، وتطبيق قضائي متوازن، ويقظة رقمية تحترم الحقوق والحريات، إلى جانب معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل الهجرة غير النظامية خياراً مطروحاً أمام بعض الشباب.

NewsLIK | تحليل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى