«أفراگ».. حين يتحول الخوف إلى سلطة والمجهول إلى اختبار للإنسان
مشهد من العرض المسرحي الأمازيغي «أفراگ»، الذي يعالج موضوعات السلطة والخوف والخضوع
من تيزنيت إلى الدار البيضاء، حمل العرض المسرحي الأمازيغي «أفراگ» تجربة فنية تتجاوز حدود الفرجة التقليدية، لتضع الجمهور أمام أسئلة عميقة حول السلطة والطاعة والخوف، ومصير الإنسان حين يجد نفسه محاصراً داخل واقع تتحكم فيه قوى غامضة لا يعرف مصدرها ولا يستطيع مواجهتها.
بصمتها الفنية ورؤيتها الدرامية، سجلت مسرحية «أفراگ» (afrag)، التي أبدعتها جمعية كونستامز للأبحاث المسرحية بمدينة تيزنيت، حضوراً ضمن فعاليات الدورة الثامنة لمهرجان الدار البيضاء للمسرح الأمازيغي، في تجربة تؤكد قدرة المسرح الناطق بالأمازيغية على خوض مغامرات فكرية وجمالية تتجاوز التعبير عن الخصوصية الثقافية إلى مساءلة قضايا الإنسان وأسئلة وجوده.
وتأتي هذه المشاركة في سياق المسار الإبداعي للعمل، الذي تمكن من بلوغ القائمة الكبرى للأعمال المتبارية على الجائزة الوطنية للثقافة الأمازيغية، صنف المسرح، برسم سنة 2025، بما يمنحه قيمة إضافية ضمن المشهد المسرحي الأمازيغي المعاصر.
فضاء مغلق.. وخوف يتغذى من المجهول
تأخذ المسرحية متلقيها إلى عالم درامي مشحون بالغموض والتوتر، حيث تجد شخصيتا «أسافو» و«تودا» نفسيهما داخل فضاء مغلق، تحكمه العزلة وتطغى عليه حالة دائمة من الترقب والانتظار.
ويستند النص، الذي أعده عبد الله بوكرن انطلاقاً من عالم الكاتب المسرحي هارولد بنتر، إلى بناء درامي يجعل من الصمت والانتظار والغموض عناصر أساسية في تصعيد التوتر. أما الإخراج، الذي وقعه نورالدين التوامي، فيمنح هذا العالم المسرحي أبعاده البصرية والرمزية، من خلال الاشتغال على الفضاء المغلق والعلاقة المتوترة بين الشخصيات وسلطة لا تظهر مباشرة.
داخل هذا الفضاء، لا تبدو السلطة في حاجة إلى الحضور المادي كي تفرض نفوذها؛ فهي تتجلى من خلال التعليمات المبهمة والرسائل الغامضة والطلبات التي تصل عبر مصعد خفي، لتجد الشخصيتان نفسيهما أمام أوامر لا تعرفان مصدرها ولا تستطيعان تفسير منطقها.
وهكذا، يتحول الانتظار من مجرد حالة زمنية إلى تجربة نفسية قاسية، يصبح فيها الخوف جزءاً من الحياة اليومية، وتغدو الطاعة وسيلة لتجنب المجهول، حتى وإن كانت لا تقود إلا إلى مزيد من الارتهان له.

«أفراگ».. حين يتحول السياج إلى استعارة للهيمنة
لا يقتصر عنوان المسرحية، «أفراگ»، الذي يحيل في الأمازيغية إلى السياج أو الحاجز، على دلالته المادية، بل يكتسب داخل العمل أبعاداً رمزية تتصل بالحواجز النفسية والاجتماعية التي تقيد الإنسان وتحد من قدرته على الفعل والاختيار.
فالسياج هنا ليس بالضرورة جداراً مرئياً يفصل الشخصيات عن العالم الخارجي، بل قد يكون خوفاً متراكماً، أو طاعة غير مشروطة، أو شعوراً بالعجز أمام قوة مجهولة تتحكم في تفاصيل الحياة.
ومن خلال هذه الاستعارة، يفتح العرض باب التأويل أمام الجمهور، ويطرح تساؤلات تتجاوز حدود الحكاية المسرحية: هل يخضع الإنسان للسلطة بسبب قوتها الفعلية، أم بسبب الخوف الذي تزرعه داخله؟ وكيف تتحول الأوامر الغامضة إلى قواعد تحكم السلوك، حتى في غياب المعرفة الحقيقية بمصدرها وأهدافها؟
وتزداد هذه الأسئلة حدة حين يصبح الفرد مجرد منفذ لتعليمات لا يفهمها، ويجد نفسه محاصراً داخل منظومة لا تمنحه سوى هامش ضيق للحركة، قبل أن يتحول هو نفسه إلى موضوع محتمل لقرار جديد لا يعرف من اتخذه ولا لماذا.
من الخصوصية الأمازيغية إلى الأسئلة الإنسانية المشتركة
تكمن أهمية «أفراگ» في قدرتها على توظيف اللغة والثقافة الأمازيغيتين داخل بناء مسرحي يلامس قضايا إنسانية واسعة، من بينها الخوف من المجهول، والعلاقة بين الفرد والسلطة، وحدود الحرية في ظل الإكراه النفسي والاجتماعي.
فالمسرح الأمازيغي، في مثل هذه التجارب، لا يكتفي باستحضار الذاكرة الجماعية أو الاحتفاء بالتعبير الثقافي المحلي، بل يصبح فضاءً للتفكير والنقد وإعادة طرح الأسئلة التي تؤرق المجتمعات بمختلف سياقاتها.
ومن هذا المنطلق، تكتسب تجربة جمعية كونستامز للأبحاث المسرحية أهميتها باعتبارها مساهمة في توسيع أفق الاشتغال المسرحي بالأمازيغية، والانفتاح على أشكال درامية تسمح بتناول موضوعات مركبة، تجمع بين الرمز والتوتر النفسي والتأمل الفلسفي.
مهرجان يحتفي بالذاكرة الأمازيغية ويجدد أسئلة المسرح
جاء عرض «أفراگ» ضمن فعاليات الدورة الثامنة لمهرجان الدار البيضاء للمسرح الأمازيغي، التي نظمها فضاء تافوكت للإبداع بشراكة مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ومجلس جهة الدار البيضاء–سطات، وفق المعطيات الواردة بشأن التظاهرة.
واكتسبت هذه الدورة بعداً رمزياً إضافياً من خلال الاحتفاء بالذكرى الفضية لخطاب أجدير التاريخي، الذي شكل محطة مفصلية في مسار الاعتراف الرسمي بالثقافة الأمازيغية في المغرب.
كما أتاحت التظاهرة فرصة لتلاقي تجارب مسرحية وطنية ودولية، وفتح المجال أمام تبادل الرؤى حول إمكانات تطوير المسرح الأمازيغي وتعزيز حضوره داخل المشهد الثقافي المغربي.
وبالنسبة إلى التجربة القادمة من تيزنيت، شكلت المشاركة محطة لإبراز اختياراتها الفنية أمام جمهور العاصمة الاقتصادية، ضمن فضاء ثقافي يتيح التفاعل مع تجارب مختلفة ويعزز حضور الإبداع الأمازيغي في النقاش المسرحي الوطني.
مسرحية تترك أسئلتها مفتوحة
لا تقدم «أفراگ» أجوبة جاهزة عن السلطة والخوف والطاعة، بقدر ما تدفع الجمهور إلى مواجهة الأسئلة التي تثيرها هذه المفاهيم داخل الحياة اليومية. فحين تصبح الأوامر مجهولة المصدر، ويغدو الصمت جزءاً من نظام الخضوع، يجد الإنسان نفسه أمام اختبار صعب: هل يستمر في الامتثال طلباً للأمان، أم يحاول كسر الحاجز الذي يمنعه من الفهم والمواجهة؟
وبهذا المعنى، تتجاوز المسرحية حدود الحكاية المغلقة لتتحول إلى مساحة للتأمل في علاقة الإنسان بما يخشاه، وبما يقبله من قيود، وبالسلطات التي قد تستمد جزءاً من قوتها من عجز الأفراد عن مساءلتها.
إنها تجربة قادمة من تيزنيت، تستثمر إمكانات المسرح الأمازيغي لطرح أسئلة إنسانية مشتركة، وتؤكد أن الهوية الثقافية لا تحد من أفق الإبداع، بل يمكن أن تكون منطلقاً لمساءلة العالم وفهم تناقضاته.
