هشام العسري: مخرج يصنع أفلامه ضد راحة المُشاهد
من «هم الكلاب» إلى «الجاهلية» و«المطرود من رحمة الله»، يواصل العسري بناء تجربة سينمائية تقوم على الصدمة والتجريب ومواجهة المألوف.
برورطري_News Lik
في السينما المغربية أسماء تُقاس بعدد التذاكر، وأخرى تُقاس بعدد النقاشات التي تخلّفها. هشام العسري ينتمي إلى الصنف الثاني، وهو يعرف ذلك جيداً — وربما يتمسك به أكثر مما ينبغي أحياناً.
وُلد بالدار البيضاء في 13 أبريل 1977، ونشأ في أسرة من ستة أبناء. حصل على شهادة في القانون قبل أن يغيّر وجهته نحو الكتابة المسرحية، ثم تدرّب على يد كاتبة السيناريو إيمانويل ساردو والمخرج حسن الغزولي. (ويكيبيديا — مصدر تجميعي)
انتقاله من القانون إلى المسرح ثم إلى السينما يكشف مبكراً عن مسار مهني لم يتشكّل داخل طريق فني تقليدي.
الفيلم المؤسِّس
سنة 2011 قدّم «النهاية»، فيلمه الروائي الطويل الأول. فيلم بالأبيض والأسود، ينتهي بنبأ وفاة الملك الحسن الثاني، وهو ما جعل النقاد يقرأون كل ما سبق في ضوء تلك النهاية، كأن الخبر ناظم لما شاهدوه لا خاتمة له. (مجلة أوكسجين)
استُقبل الفيلم بحفاوة نقدية أعلنت ميلاد مخرج بهواجس واضحة: الهوامش، الفضاءات المنسية، الكائنات المسلوبة الذاكرة. (الجزيرة)
ثم جاء «هم الكلاب» (2013). وبحسب ما نقلته جريدة الصحراء المغربية نهاية 2014، بلغ ما حصده الفيلم منذ انطلاق مشاركاته المهرجانية 22 جائزة، من بينها التانيت الفضي بأيام قرطاج، وجائزة أفضل فيلم روائي طويل بمهرجان السينما الإفريقية بقرطبة، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان دبي. (الصحراء المغربية)
الإيقاع
ما يلفت في مسار العسري ليس نوعية الأفلام فقط، بل وتيرتها. سبعة أفلام طويلة منذ 2011: «النهاية»، «هم الكلاب» (2013)، «البحر من ورائكم» (2014)، «جوّع كلبك» (2015)، «ضربة في الراس» (2017)، «جاهلية» (2018)، «مروكية حارة» (2023). وإلى جانبها أفلام قصيرة مثل «حب في حلب» و«البيداء تعرفني» (2018) و«آخر فيلم عربي» (2019). (المراكشي)
وهو في الوقت نفسه كاتب: ثلاث مسرحيات، وروايتان، وروايتان مصورتان. (دار النمر) كما أخرج سيتكومات رمضانية مثل «كنزة فالدوار» و«همي ولاد عمي». (elCinema)
هذا الجمع بين سينما المؤلف والإنتاج التلفزيوني الشعبي تفصيل نادراً ما يُذكر في التقديمات المهرجانية، لكنه يقول عن اقتصاد المهنة في المغرب أكثر مما يقوله أي بيان.
الطريقة
يشرح العسري اشتغاله بوضوح: يرفض أن يقدّم للمشاهد معلومات جاهزة، ويفضّل أن يضعه أمام حالة شعورية ويتركه يتفاعل معها، مستعملاً السخرية اللاذعة للحفاظ على البعد الإنساني حين يشتغل على شخصيات مهمشة — شخصيات يصفها بأنها ليست ضحايا بالمعنى التقليدي، بل تمتلك قدرة على المقاومة والمعاندة. (هسبريس، أبريل 2026)
هذه ليست بلاغة. إنها تقنية: البناء السردي المتشظي، والأبيض والأسود في «النهاية» و«البحر من ورائكم»، والتجريب الشكلي المستمر، كلها أدوات لمنع المتلقي من الاستقرار.
المسألة التي لم تُحلّ: التوزيع
هنا يقع الجرح الحقيقي في مساره. سنة 2018، لم يُعرض «جاهلية» في القاعات المغربية عند عرضه الأول، بل في مراكز ثقافية فرنسية بالمغرب. وحين سُئل عن ذلك، اختصر المسألة في كلمتين: «مشكلة التوزيع مشكلة كرامة»، متحدثاً عن منطق يريد أفلاماً بديهية لجمهور بديهي. (العربي الجديد)
والمفارقة أن فيلماً آخر له، «البحر من ورائكم»، كان قد عُرض ضمن فقرة بانوراما بمهرجان برلين سنة 2015. (الجزيرة) ثلاث سنوات تفصل بين الحدثين، ومسافة أكبر بكثير تفصل بين ما تراه المهرجانات وما تصل إليه القاعة المغربية.
الاعتراضات
من الإنصاف قول ما يُقال ضده. يُؤخذ على سينما العسري أنها تطلب من المشاهد جهداً قد لا يكون مستعداً لبذله، وأن التجريب الشكلي يبتلع أحياناً الحكاية، وأن غزارة الإنتاج لا تخدم دائماً النضج. كما أن أعماله الأخيرة أعادت طرح السؤال حول حدود المواضيع التي يمكن للسينما معالجتها، وهو ما أثار نقاشاً في صيف 2026. (لالة مولاتي، يوليوز 2026)
وهو يردّ على هذا النوع من النقد بموقف ثابت: «حرية الإبداع هي أكسجين الفنان»، ورفض ما يسميه السينما المهادنة. (ميدل إيست أونلاين)
وبعد؟
بعد أكثر من عقد على «النهاية»، لم يتحول هشام العسري إلى مخرج مؤسسة، ولم يصبح أيضاً مخرجاً هامشياً. بقي في المنطقة الأصعب: ينتج بوتيرة لا تسمح له بالغياب، ولا تضمن له الوصول.
والسؤال المعلّق ليس ما إذا كان سيواصل، فذلك شبه محسوم بالنظر إلى إيقاعه، بل ما إذا كانت منظومة التوزيع المغربية ستتغير بما يكفي ليشاهد المغاربة أفلام مخرجيهم في بلدهم قبل أن يقرأوا عنها في تقارير المهرجانات.