سياسة
أخر الأخبار

الإيديولوجيا الكوفية بالمغرب.. من التضامن مع فلسطين إلى الصراع على القرار السياسي

بين التضامن الإنساني والسياسي مع الشعب الفلسطيني، والسعي إلى احتكار تمثيل قضيته داخل المجال العام، يطرح الخطاب الكوفي أسئلة حول حدود التعبئة الرمزية، وعلاقة القضايا الخارجية بالصراع على الشرعية الوطنية وصناعة المواقف السياسية.

بقلم: محمد جواد سيفاو | باحث في السوسيولوجيا والإعلام   

ليست كل قضية عادلة بمنأى عن التوظيف السياسي، وليست كل تعبئة جماهيرية دليلا على أن أهدافها المعلنة هي وحدها التي تحركها. فالتاريخ الاجتماعي يعلمنا أن القضايا الإنسانية الكبرى قد تتحول، في بعض السياقات، إلى موارد للشرعية السياسية، وأدوات للتعبئة الإيديولوجية، ووسائل لممارسة الضغط على المؤسسات والاختيارات الاستراتيجية للدول.

ومن هذا المنطلق، يحق لنا أن نطرح سؤالاً حساساً في السياق المغربي: هل يظل الاحتجاج باسم فلسطين تعبيراً عن التضامن الإنساني والسياسي فحسب، أم يمكن أن يتحول، لدى بعض الفاعلين، إلى وسيلة لمنازعة الدولة في اختياراتها الدبلوماسية، والضغط عليها للتراجع عن علاقاتها الدولية، وإعادة توجيه سياستها الخارجية وفق أجندات إيديولوجية محددة؟

إن المقصود بمفهوم «الإيديولوجيا الكوفية» في هذا المقال ليس الكوفية باعتبارها رمزاً فلسطينياً، ولا عموم المتضامنين مع الشعب الفلسطيني، بل نمطاً من الخطاب الذي يوظف هذا الرمز لبناء شرعية أخلاقية وسياسية، وقد ينتقل من الدفاع عن الحقوق الفلسطينية إلى محاولة احتكار الوطنية، والتشكيك في المؤسسات، وفرض تصور أحادي للمصالح الاستراتيجية للمغرب.

فالمشكلة لا تكمن في التضامن مع فلسطين، بل في احتمال تحويل هذا التضامن إلى سلطة إيديولوجية تُستخدم لممارسة الضغط على القرار الوطني، من دون نقاش موضوعي لكلفته ومصالحه وبدائله.

أولاً: من التضامن مع فلسطين إلى معارضة الاختيار الدبلوماسي المغربي

منذ استئناف العلاقات الرسمية بين المغرب وإسرائيل في ديسمبر 2020، أصبح هذا الملف أحد محاور الخلاف السياسي داخل المجتمع المغربي. فقد اختارت المملكة إعادة العلاقات في سياق اتفاق ثلاثي مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ارتبط أيضاً باعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء، مع تأكيد الموقف المغربي المعلن بشأن القضية الفلسطينية.

هذا القرار لم ينهِ الخلاف الداخلي حول التطبيع، بل أعاد تشكيله. فهناك من ينظر إلى العلاقات مع إسرائيل باعتبارها أداة محتملة لخدمة المصالح الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية للمغرب، وهناك من يعتبرها تناقضاً مع موقفه من الحقوق الفلسطينية، ويطالب بإنهائها.

وجود هذا الاختلاف أمر طبيعي في المجتمعات التي تعرف نقاشاً سياسياً حول الخيارات الخارجية للدولة. لكن الإشكال يبدأ حين يتجاوز النقاش حدود تقييم القرار ونتائجه إلى محاولة تجريده من الشرعية، أو تحويل كل من يدافع عنه إلى متهم أخلاقياً، أو التعامل مع استمرار العلاقات الدبلوماسية كما لو كان دليلاً تلقائياً على العداء لفلسطين.

إن السياسة الخارجية لا تُدار بالشعارات وحدها، بل من خلال حسابات المصالح، وموازين القوى، والتحالفات، والالتزامات الدولية، والفرص المتاحة أمام الدولة. وهذا لا يعني أن كل قرار دبلوماسي صحيح بالضرورة، بل يعني أن تقييمه ينبغي أن يستند إلى الوقائع والنتائج والبدائل، لا إلى شدة الخطاب التعبوي.

ومن هنا، فإن من حق المغرب أن يناقش مصالحه الاستراتيجية، ومن حق المواطنين أن ينتقدوا اختياراته، لكن لا ينبغي أن تتحول قوة التعبئة الجماهيرية إلى بديل عن النقاش العقلاني حول المصلحة الوطنية.

ثانياً: ماذا تكشف السوسيولوجيا عن الاحتجاجات المناهضة للتطبيع؟

تقدم دراسة أكاديمية نشرها ألفونسو كاساني وفرانشيسكو كولين وإيرين فيرنانديز مولينا في مجلة Government and Opposition سنة 2025 قراءة مهمة للتحولات التي عرفتها المعارضة السياسية في المغرب في سياق الحروب على غزة والعلاقات المغربية الإسرائيلية.

وتشير الدراسة إلى أن التعبئة المناهضة للتطبيع جمعت فاعلين من خلفيات مختلفة، بما فيها تيارات إسلامية ويسارية وجمعيات مدنية، وأن جمعية العدل والإحسان لعبت دوراً بارزاً في التعبئة الميدانية، ضمن تحالفات أوسع من تنظيم واحد. كما توضح أن معارضة التطبيع لم تقتصر على التضامن مع الفلسطينيين، بل استهدفت أيضاً السياسة الخارجية المغربية وطالبت بإنهاء العلاقات مع إسرائيل.

تتيح هذه النتائج طرح فرضية سوسيولوجية جدية: يمكن للقضية الدولية أن تتحول إلى مجال تتقاطع داخله مطالب سياسية متعددة، بحيث لا يعود الاحتجاج متعلقاً بموضوعه الخارجي فقط، بل يصبح أيضاً وسيلة لإعادة ترتيب موازين القوة داخل المجال السياسي الوطني.

فحين تتوحد جماعات تختلف في مرجعياتها حول مطلب واحد، قد تتحول القضية المشتركة إلى رأسمال تعبوي يسمح لها بتوسيع حضورها، واكتساب الاعتراف، وممارسة الضغط على المؤسسات.

لكن هذه الآلية لا تثبت أن التعبئة تخفي بالضرورة مشروعاً سرياً أو أن جميع المشاركين يتحركون وفق أجندة واحدة. فالتحليل العلمي يقتضي التمييز بين الهدف المعلن للاحتجاج، والوظائف السياسية التي يؤديها، والنتائج التي يترتب عليها.

وبالتالي، فإن السؤال ليس ما إذا كان للمعارضة المناهضة للتطبيع أثر سياسي؛ فالدراسة توثق هذا الأثر في المجال الخطابي والتنظيمي. السؤال الأعمق هو: إلى أي حد يمكن أن يتحول هذا الضغط إلى محاولة لإعادة توجيه السياسة الخارجية للدولة، وما الوسائل التي يعتمدها الفاعلون لتحقيق ذلك؟

ثالثاً: حين تصبح الكوفية رأسمالاً رمزياً

لفهم هذه الظاهرة، يمكن الاستعانة بمفهوم «الرأسمال الرمزي» لدى عالم الاجتماع بيير بورديو، الذي يساعد على تفسير كيفية اكتساب الأفراد والجماعات المكانة والاعتراف من خلال العلامات والرموز والتصنيفات الاجتماعية. وقد طوّر بورديو هذا المفهوم في كتابه Le sens pratique، حيث يرى أن الرأسمال الرمزي هو رأسمال اقتصادي أو ثقافي أو اجتماعي يحظى بالاعتراف به، فيمنح صاحبه سلطة رمزية وقدرة على فرض رؤية معينة للعالم الاجتماعي.

فالكوفية، باعتبارها رمزاً مرتبطاً بالهوية الفلسطينية، تحمل قيمة تاريخية وسياسية وإنسانية. لكن قيمتها الرمزية يمكن أن تدخل في صراعات اجتماعية حول من يمتلك الشرعية الأخلاقية للحديث باسم القضية.

وقد يتحول هذا الرمز، في بعض السياقات، من وسيلة للتعبير عن التضامن إلى أداة لتصنيف الآخرين: من يعارض التطبيع يُقدَّم باعتباره صاحب الموقف الأخلاقي الصحيح، ومن يدافع عن العلاقات الدبلوماسية يُوضع موضع الاتهام، بصرف النظر عن حججه أو تصوره للمصلحة الوطنية.

هنا لا يعود الرمز مجرد تعبير عن موقف، بل يصبح وسيلة لإنتاج سلطة معنوية على النقاش العام.

والأخطر أن هذه السلطة قد تدفع بعض الفاعلين إلى الخلط بين ثلاثة أمور مختلفة: التضامن مع الفلسطينيين، ومعارضة التطبيع، واحتكار تعريف الوطنية المغربية.

فليست هذه المواقف متطابقة بالضرورة، ولا يترتب على تبني أحدها تبني الموقفين الآخرين.

إن المغربي الذي يدافع عن العلاقات مع إسرائيل انطلاقاً من حسابات استراتيجية لا يفقد تلقائياً حقه في التضامن مع الفلسطينيين، كما أن المغربي الذي يعارض التطبيع لا يصبح بذلك معادياً للدولة. معيار النقاش هو الحجج والمواقف والممارسات، وليس الرمز الذي يرفعه الفرد أو الجماعة.

رابعاً: الإسلام السياسي واستثمار القضية الفلسطينية

لا يمكن تجاهل حضور بعض التنظيمات ذات المرجعية الإسلامية في التعبئة المناهضة للتطبيع. فالدراسة الأكاديمية المشار إليها توثق دور جمعية العدل والإحسان في التعبئة الميدانية، كما ترصد التعاون بين فاعلين إسلاميين ويساريين ومدنيين داخل التحالفات المناهضة للتطبيع.

لكن من الضروري التمييز بين الإسلام السياسي بوصفه توجهاً سياسياً، وبين التطرف الديني أو الانخراط في العنف. فوجود تنظيم ذي مرجعية إسلامية في احتجاج ضد سياسة خارجية لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على تبنيه العنف أو سعيه إلى تخريب الدولة.

ومع ذلك، يظل من المشروع بحث الكيفية التي يمكن بها لبعض الفاعلين توظيف القضايا الخارجية لتوسيع نفوذهم الداخلي، أو تقديم أنفسهم باعتبارهم الممثلين الحقيقيين للقيم الدينية والأخلاقية، أو تحويل الخلاف حول السياسة الخارجية إلى وسيلة لاستقطاب الجمهور.

وهنا ينبغي أن ينصب التحليل على الخطاب الفعلي، والتنظيم، والممارسات الموثقة، لا على الهوية الدينية وحدها.

فإذا ثبت أن جهة معينة تحرض على العنف أو تدعو إلى التخريب أو تهدد سلامة المواطنين والمؤسسات، فإن هذه الأفعال تُقيّم وفق الأدلة والقانون. أما الانتقال من مجرد المشاركة في احتجاج إلى اتهام صاحبه بالتطرف أو العداء للنظام، فهو انتقال لا تسمح به المنهجية السوسيولوجية من دون أدلة مستقلة.

إن قوة الدولة لا تتطلب الخلط بين المعارضة السياسية والتهديد الأمني، بل تقتضي القدرة على التمييز بينهما بدقة.

خامساً: هل تتحول الاحتجاجات إلى ضغط على المصالح الاستراتيجية للمغرب؟

تطرح العلاقات المغربية الإسرائيلية أسئلة تتجاوز الجانب الرمزي، لأنها ترتبط أيضاً بملفات دبلوماسية وأمنية واقتصادية. وقد تناولت تحليلات متخصصة أبعاد التعاون بين البلدين، بما فيها المصالح الأمنية والعسكرية، إلى جانب العلاقة بين استئناف العلاقات والتحولات في الموقف الأمريكي من قضية الصحراء.

في هذا السياق، من الطبيعي أن تؤدي الاحتجاجات المناهضة للتطبيع إلى الضغط على الحكومة، وأن تجعل استمرار العلاقات موضوعاً للخلاف السياسي والاجتماعي. وقد وثقت الدراسات الأكاديمية بالفعل كيف أصبحت السياسة المغربية تجاه إسرائيل هدفاً مركزياً للخطاب الاحتجاجي المناهض للتطبيع.

لكن ينبغي التمييز بين الضغط السياسي، الذي يشكل جزءاً من التنافس داخل المجال العام، وبين عرقلة التنمية الاقتصادية أو الإضرار بالأمن القومي. فإثبات الأثر الثاني يحتاج إلى بيانات عن تعطيل الاستثمارات أو المشاريع أو التعاون المؤسسي، وإلى تحديد العلاقة السببية بين الاحتجاجات والنتائج المدعاة.

ولا تتوفر في الأدلة المذكورة هنا معطيات كافية تسمح بالجزم بأن أغلبية المشاركين في هذه الاحتجاجات تستهدف عرقلة التنمية المغربية أو إضعاف القدرات العسكرية للمملكة.

إن النقد الأكثر تماسكاً لا يحتاج إلى مثل هذا التعميم. يكفي أن يطرح السؤال حول كيفية التوفيق بين الحق في الاحتجاج، وحرية النقاش حول السياسة الخارجية، واستمرارية المؤسسات، وحماية المصالح الوطنية من أي فعل غير قانوني تثبت آثاره.

سادساً: اليهود المغاربة والعلاقة بين الذاكرة الوطنية والدبلوماسية

تحتل الذاكرة اليهودية المغربية مكانة مهمة في فهم العلاقة بين المغرب وإسرائيل. فالتاريخ المغربي يتضمن حضوراً يهودياً عريقاً، وتفاعلات ثقافية واجتماعية امتدت قروناً، كما أن عدداً كبيراً من اليهود الإسرائيليين ينحدرون من أصول مغربية.

وقد أكدت الإعلانات الرسمية المرتبطة باستئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية أهمية الروابط التاريخية بين المغرب والجالية اليهودية المغربية المقيمة داخل المملكة وخارجها، بما فيها إسرائيل.غير أن الدقة تقتضي عدم الخلط بين الأصول المغربية والجنسية المغربية. فليس كل إسرائيلي من أصول مغربية حاملاً بالضرورة للجنسية المغربية، كما أن الروابط التاريخية والثقافية لا تعني التطابق بين جميع المواطنين أو أفراد الجاليات.

وفي المقابل، فإن وجود هذه الروابط التاريخية يوضح أن العلاقة بين المغرب واليهود المغاربة ليست مجرد ملف دبلوماسي طارئ، بل جزء من تاريخ اجتماعي وثقافي وطني.قد أكد الدستور المغربي، في ديباجته، أن الهوية الوطنية الموحدة تتغذى من روافد متعددة، من بينها الرافد العبري. وهذا يتيح فهم التعدد الثقافي باعتباره جزءاً من الذاكرة الوطنية المغربية، دون أن يستلزم ذلك تبني موقف سياسي واحد من جميع سياسات الحكومة الإسرائيلية.

فاحترام اليهود المغاربة وذاكرتهم وحقوقهم لا يتعارض مع الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، كما أن نقد سياسات الحكومة الإسرائيلية لا يبرر استهداف اليهود بسبب دينهم أو أصولهم. إن الدفاع عن التعايش المغربي يقتضي رفض التعميمات المعادية لليهود، مثلما يقتضي رفض اختزال كل انتقاد لإسرائيل في العداء لليهود.

سابعاً: التعايش المغربي ليس شعاراً، بل مسؤولية تاريخية

يتميز النموذج المغربي بتعدد روافده الثقافية والدينية، وبحضور تاريخي لليهودية المغربية في الذاكرة الوطنية. لكن الحفاظ على هذا الإرث لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب احتفالي يتجاهل التعقيدات السياسية، بل إلى مسؤولية مستمرة لحماية حقوق المواطنين وصون التعددية.

ومن هذا المنطلق، فإن أي خطاب يحاول تحويل الخلاف حول إسرائيل إلى صراع بين المسلمين واليهود، أو بين الوطنية المغربية والهوية الفلسطينية، يهدد بتبسيط واقع أكثر تعقيداً.

فالمغرب ليس مضطراً إلى الاختيار بين احترام تراثه اليهودي والدفاع عن حقوق الفلسطينيين، كما أن المجتمع المغربي ليس مطالباً بتبني موقف سياسي موحد حتى يحافظ على تماسكه الوطني.

والدبلوماسية نفسها ليست مرادفاً للموافقة الأخلاقية على كل سياسات الدولة التي تربط المغرب بها علاقات رسمية. فالعلاقات الدولية قد تقوم على المصالح والتفاوض، مع استمرار الاختلاف حول ملفات محددة.

لهذا، فإن النقاش الأكثر فائدة ليس ذلك الذي يضع المغاربة أمام ثنائية حادة بين التضامن مع فلسطين والولاء للمغرب، بل الذي يسأل عن أفضل السبل لحماية المصالح الوطنية، ودعم الحقوق الفلسطينية، والحفاظ على التعايش، وتقييم نتائج الخيارات الدبلوماسية بصورة موضوعية.

خاتمة: من يحتكر تمثيل الوطنية المغربية؟

إن ما يستحق النقد السوسيولوجي ليس الكوفية، ولا الاحتجاج السلمي، ولا التضامن مع الشعب الفلسطيني، بل كل محاولة لتحويل قضية دولية إلى أداة لاحتكار الشرعية الأخلاقية، أو لتصنيف المواطنين، أو لفرض تصور سياسي واحد باعتباره المعيار الوحيد للوطنية.

كما أن الدفاع عن الاختيارات الدبلوماسية المغربية لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء المؤسسات من النقد أو إلى التشكيك في نوايا جميع معارضي التطبيع.

فالدولة التي تدير علاقاتها الدولية تحتاج إلى هامش للمناورة والتفاوض، والمجتمع الذي يناقش هذه العلاقات يحتاج إلى فضاء يسمح بالنقد والاختلاف. والتحدي الحقيقي يكمن في منع تحول الخلاف السياسي إلى تخوين متبادل، أو إلى ممارسات عنيفة وغير قانونية.

إن من حق المغرب أن يدبر مصالحه الاستراتيجية، ومن حق مواطنيه أن يناقشوا هذه الاختيارات، لكن لا ينبغي أن يتحول أي رمز أو شعار إلى سلطة فوق النقاش، ولا أن تصبح التعبئة الجماهيرية بديلاً عن الأدلة والحجج.

إن السؤال الجوهري ليس من يرفع الكوفية ومن لا يرفعها، بل من يستطيع أن يقدم حججاً واضحة حول المصلحة الوطنية، ومن يميز بين التضامن الإنساني والتوظيف السياسي، ومن يقبل أن تخضع مواقفه، مثل مواقف خصومه، للنقد والمساءلة.

فالوطنية ليست امتيازاً تحتكره جماعة، والتضامن ليس ملكية إيديولوجية، والدبلوماسية ليست معصومة من التقييم.

وإذا كان المغرب يريد الحفاظ على استقراره وتعدديته ومصالحه الاستراتيجية، فإن الطريق لا يمر عبر إقصاء المختلفين، بل عبر ترسيخ دولة المؤسسات، واحترام القانون، وحماية حرية التعبير، ورفض العنف والتخوين، وإخضاع الخطابات السياسية جميعها لمعيار واحد: الوقائع والحجج والمسؤولية.

محمد جواد سيفاو | باحث في السوسيولوجيا والإعلام

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى