مجتمع
أخر الأخبار

صحافة الفايسبوك تحت المجهر.. من يملك حق تقديم نفسه كصحفي؟

مع اتساع حضور الصفحات الإخبارية على فايسبوك، يبرز سؤال حدود الممارسة الصحفية، والفرق بين صناعة المحتوى وممارسة مهنة الصحافة وفق القانون.

    في زمن تحول فيه النقر على زر “نشر” إلى فعل صحافي، وصار امتلاك هاتف ذكي كافياً لمنح صاحبه لقب “مراسل حربي”، وباتت صفحة فيسبوك التي تجمع بضع مئات من المتابعين تُقدَّم للجمهور على أنها “جريدة إلكترونية عريقة”، نجد أنفسنا أمام سؤال وجودي يمسّ مستقبل المهنة برمّته: هل صحافة الفايسبوك صحافة؟ أم أنها مجرد فوضى خلاقة تحتاج إلى قانون يرسم حدودها؟

هذا السؤال الذي طالما تم تجنّبه، أو تم التعامل معه بحساسية مفرطة، أصبح اليوم في صلب النقاش العمومي والقانوني، خاصة مع ورش إصلاح قانون الصحافة الذي يلوح في الأفق. فالفايسبوك لم يعد مجرد فضاء للتواصل الاجتماعي، بل تحول إلى ساحة حرب لإنتاج الأخبار، ونشر الشائعات، وخلق “صحافيين” من العدم، كلٌّ يمارس المهنة كما يشتهي، دون رقيب، ودون مسؤولية، ودون أي سند قانوني.

الفايسبوكي الذي ظن نفسه صحافياً.. قصة وهم قانوني

دعني أوضح لك الأمر بكل صراحة: الصفحة على فيسبوك ليست جريدة، والشخص الذي ينشر فيها الأخبار ليس صحافياً، والمحتوى الذي ينتجه ليس بالضرورة عملاً صحافياً، بغض النظر عن جودة الطرح أو عدد التفاعلات.

القانون المغربي كان واضحاً عندما وضع تعريفاً دقيقاً للصحيفة الإلكترونية في القانون 88.13، حيث ربطها بطبيعة النشر، والتنظيم المهني للمؤسسة الإعلامية، وشروط التصريح بإحداث المطبوع الدوري. ولم يذكر في أي مادة من مواده أن “صفحة فيسبوك” تصبح صحيفة إلكترونية بمجرد أن يكتب صاحبها في خانة الوصف: “جريدة إلكترونية مستقلة”. هذا هراء قانوني، قد يبدو مقنعاً للبعض، لكنه لا يصمد أمام أول استجواب من النيابة العامة.

إن من يظن أن مجرد تغيير صورة البروفايل إلى صورة تحمل شعار “PRESS” أو كتابة كلمة “MEDIA” بجوار الاسم، يمنحه صفة صحافي مهني، فهو يعيش في وهم كبير، وسيفاجأ عندما يجد نفسه أمام القضاء بتهمة انتحال الصفة، خصوصاً إذا صاحب ذلك نشر أخبار غير صحيحة، أو تشهير، أو مساس بالحياة الخاصة.

من “عندي اعتماد” إلى “أثبت الصفة”.. رحلة العذاب القانونية

هنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً لمن يعيشون في هذا الوهم. فالكثير من أصحاب الصفحات يحملون “اعتمادات” من جرائد أو مؤسسات إعلامية، ويعتبرونها بمثابة الترخيص الذي يسمح لهم بالتحدث باسم الصحافة. وهذا خطأ قانوني فادح.

الاعتماد الذي تمنحه لك جريدة ما، هو مجرد وثيقة تنظيمية داخلية، تثبت علاقة مهنية بينك وبين تلك المؤسسة، وتسمح لك بتمثيلها في تغطية فعالية معينة، أو مراسلتها في موضوع محدد. لكنه ليس بطاقة صحافة مهنية، ولا يمنحك الحق في تقديم نفسك للجمهور كصحافي، ولا يحميك من المساءلة القانونية إذا تجاوزت حدودك.

إن القانون رقم 89.13، وتحديداً المادتين 4 و12، واضحان في هذا الشأن. فالمادة 4 تربط إثبات صفة الصحافي المهني ببطاقة الصحافة المهنية، والمادة 12 تعاقب كل من ينتحل هذه الصفة دون وجه حق. وبالتالي، فإن الاعتماد الداخلي لا يساوي بطاقة الصحافة، ولا يشفع لك عند القضاء.

الفايسبوك ليس “منطقة حرام”.. والمنشورات لها ثمن

ربما يعتقد بعض أصحاب الصفحات أن الفضاء الرقمي هو “غرب أمريكي” بلا قوانين، أو أن فيسبوك يمنحهم حصانة ضد الملاحقة القانونية. هذا الاعتقاد خاطئ وخطير.

فالمنشورات الرقمية، سواء كانت على فيسبوك أو تويتر أو أي منصة أخرى، تخضع للقانون الجنائي المغربي، وتترتب عنها مسؤوليات قانونية كاملة. فإذا نشرت خبراً كاذباً، أو تشهيراً، أو مساساً بالحياة الخاصة، أو بيانات غير صحيحة، فأنت عرضة للملاحقة القضائية، تماماً كما لو نشرتها في جريدة ورقية.

وليس هذا فحسب، بل إن تقديم نفسك كصحافي في منشوراتك، يزيد من حدة المسؤولية، لأن الجمهور يتعامل معك على أنك مصدر موثوق، وهذا يضاعف من العقوبة إذا ثبت أنك انتحلت صفة ليس لك، أو أنك نشرت معلومات مضللة تحت غطاء المهنية الصحافية.

الفصل 381: حبل المشنقة لمن تجرأ على الصفة

أيها السادة، أصحاب الصفحات، الذين تعيشون في وهم الصحافة:

الفصل 381 من القانون الجنائي ليس مجرد نص عابر، بل هو سيف مسلط على رقابكم. فهو يعاقب كل من يستعمل أو يدعي لقباً متعلقاً بمهنة منظمة قانوناً، أو صفة حددت السلطة العامة شروط اكتسابها، دون استيفاء الشروط اللازمة لذلك. والعقوبة تصل إلى السجن سنتين وغرامة مالية كبيرة.

وهذا هو بالضبط ما يفعله كثير من أصحاب صفحات فيسبوك، عندما يكتبون في تعريف الصفحة “جريدة إلكترونية”، أو في تعريف أنفسهم “صحافي مهني”، أو “مراسل معتمد”. إنهم يزورون صفة منظمة قانوناً، وهذا يجعلهم عرضة للعقوبات الجنائية.

لا تغترّ بعدد المتابعين، ولا تظن أن شهرتك الرقمية تحميك من القانون. فالقضاء لا ينظر إلى عدد الإعجابات، بل ينظر إلى الأدلة، وإلى مدى تطابق ما تقدمه مع الواقع القانوني. إذا كنت تقدم نفسك كصحافي، فأنت مدعى عليه أن تثبت ذلك. فإن لم تستطع، فأنت مجرم في نظر القانون.

إذن.. ماذا ينتظر صحافة الفايسبوك؟

المرحلة المقبلة ليست مرحلة “إغلاق جماعي” للصفحات، ولا حرباً على حرية التعبير، ولا مصادرة لحق المواطنين في التعبير عن آرائهم. هذا ليس مطروحاً، ولا ينبغي أن يكون.

لكن المرحلة المقبلة هي مرحلة فرز وتصنيف ومساءلة. هي مرحلة لن يسمح فيها بالخلط بين من يمارس الصحافة المهنية المنظمة قانوناً، ومن يمارس التعبير الحر على فيسبوك. هي مرحلة حيث سيكون لكل منصة تعريفها القانوني، ولكل شخص صفته الحقيقية.

وصحافة الفايسبوك ستظل موجودة، لكنها ستخضع لمنطق جديد، منطق المسؤولية. فإذا كنت صفحة تعبر عن رأيك الشخصي، فأنت حر، لكنك لست صحافياً. وإذا كنت تقدم محتوى إخبارياً وتحمل اسم “جريدة” أو “موقع إخباري”، فأنت ملزم بالتصريح، وباحترام القانون، وبأن يكون لديك صحافيون مهنيون حقيقيون يشرفون على المحتوى.

رسالة أخيرة لمن يظنون أنفسهم صحافيين

لا تنتظروا حتى يأتي يوم تسألون فيه أمام القضاء: “بأي صفة كنتم تنشرون هذه الأخبار؟” و “من أين حصلتم على هذه المعلومات؟” و “لماذا قدمتم أنفسكم كصحافيين رغم أنكم لستم كذلك؟”.

بادروا الآن إلى مراجعة أوضاعكم القانونية، وإلى التوقف عن الترويج لأنفسكم بصفات لا تملكونها، وإلى التمييز بين كونكم ناشطين رقميين أو مدونين، وبين كونكم صحافيين مهنيين. فلا شيء يجرح كرامة الصحافة أكثر من رؤية أناس بلا تكوين ولا سند قانوني، يمارسونها وكأنها مجرد لعبة أسماء.

فالفايسبوك منصة عظيمة للتعبير، لكنه ليس منصة لمنح الصفات، وليس بديلاً عن القانون. ومن ظن غير ذلك، فليستعد لمواجهة حقائق مرة، قد تكلفه حريته وسمعته وماله. فالوقت قادم، والحساب عسير. أوجدوا راسكم قبل ما يجي وقت الحساب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى