ثقافة وفنون | «دادا».. من أكادير إلى الشاشة: حين تصبح الهوية السوسية مادةً موسيقية لا علامةَ تعريف
من «Vortex» إلى «صنع في المغرب»، ومن خشبة البولفار إلى بطولة فيلم تلفزيوني، يرسم أنور البوهلي المعروف بـ«دادا» مساراً يجعل الانتماء المحلي عنصراً داخل بنية العمل الفني، لا مجرّد إشارة تسويقية.
روبورطري_News Lik
من حلم مؤجَّل إلى اسم فني
قبل أن يصبح اسمه متداولاً في مشهد الراب المغربي، كان أنور البوهلي شاباً من أكادير مهووساً بكرة السلة وبموسيقى الهيب هوب، الأمريكية أولاً ثم المغربية، وخاض تجاربه الأولى في الكتابة والأداء مطلع الألفية. غير أن وفاة والده سنة 2013 دفعته إلى تعليق مشروعه الموسيقي والتفرغ لعائلته ولمسار مهني كمندوب طبي، قبل أن يعود إلى الموسيقى سنة 2018 باسم فني جديد: «دادا»، وهي كلمة تُستعمل في منطقة سوس بمعنى «الأخ الأكبر». (لبولفار) Boulevard
الاسم هنا ليس لقباً فوق الخشبة فحسب. إنه إعادة تعريف للذات: ليس فقط «أنور الذي يريد أن يكون رابوراً»، بل «أنور القادم من سوس» وما يترتب على ذلك من لغة ومرجعية.
الهوية داخل بنية العمل، لا فوقه
في تجارب كثيرة تتحوّل الهوية إلى صورة تسويقية جاهزة: لباس تقليدي أو كلمة أمازيغية عابرة. مشروع دادا يبدو أقرب إلى الاتجاه المعاكس. فالدارجة تتجاور مع الأمازيغية والإنجليزية داخل النص نفسه، فيما تُستمد المرجعيات الإيقاعية من أسماء مثل ناس وباستا رايمز وإيمينيم، ويُحيل رقما 33/34 المتكرران في أعماله إلى ترقيم لوحات منطقة سوس. (Moroccan Music Connect) Moroccanmusicconnect
وقد ربط مهرجان لبولفار سنة 2024 هذا الرقم بمجموعة «33-34» التي يقودها دادا، في إشارة إلى لوحات أكادير وإنزكان-آيت ملول، معتبراً أنه أصبح ضمن القيم الثابتة في مشهد الهيب هوب المغربي (لبولفار) — وهو وصف يصدر عن مهرجان يبرمج الفنان، لا عن جهة تقييم مستقلة، ويُقرأ بهذا الاعتبار. Boulevard
«صنع في المغرب».. من العنوان إلى الفكرة
في يناير 2024 صدر أول ألبوم قصير لدادا بعنوان «صنع في المغرب». وقرأته «بيلبورد عربية» باعتباره نقلاً لتجربة معيشية بأسلوب كتابي متقن، مشيرة إلى تأثره بأسماء مغربية مثل «إيش كاين» و«دون بيغ» وبمجموعة «ستيل سوس» المنحدرة من أكادير، ومتوقفة عند تعاوناته داخل العمل، ومنها مقطع «212» مع ريتا كمال وناب فايك. (بيلبورد عربية) Billboard Arabia
العنوان نفسه يحمل تصوراً للمشروع: ليس مكان الإنتاج فحسب، بل محاولة تحويل التجربة المغربية اليومية إلى مادة قابلة للسفر.
الاستقلال كخيار مهني
ثمة بُعد أقل تداولاً في التغطيات الفنية: علاقة دادا بصناعة الموسيقى نفسها. ففي تقرير لوكالة فرانس برس سنة 2021، ورد أنه أنهى تعاقده مع لابل فرنسي كبير وأنه يعتزم إنشاء استوديو مستقل في أكادير التي وصفها بأنها متضررة ثقافياً، معتبراً أن نجاحه يتيح له مساعدة فنانين آخرين. (AFP عبر SNRT) SNRT News
هذا المعطى يضيف إلى الصورة بعداً اقتصادياً: مسار يربط الاستقلال الفني ببنية إنتاج محلية، لا بخطاب هوياتي فقط.
من الخشبة إلى الشاشة: «لانونيم»
في أكتوبر 2024، وأثناء تصوير الفيلم التلفزيوني «لانونيم» في ساحة نيفادا بالدار البيضاء، كشف موقع Le360 أن العمل، وهو أول إخراج لأمين أبو نصير بمشاركة السيناريست نبيل المنصوري في الكتابة، يسند البطولة إلى دادا إلى جانب الممثلة رباب كويد، وأنه يروي قصة رابور شاب اضطر لتأجيل شغفه تحت ضغط عائلي. وقال دادا للموقع إن التمثيل أكثر تطلباً من الوقوف فوق الخشبة، وإنه كان ينتظر منذ مدة خوض هذه التجربة. (Le360) Le360Le360
وقد عُرض الفيلم على القناة الأولى خلال رمضان 2025 ضمن برمجة درامية ضمت أيضاً ربيع الصقلي وعبد الله ديدان وسامية أقريو وعادل أبا تراب (برلمان)، وأدى دادا أغنية الجينيريك. ثم توّج العمل في مايو 2025 بالجائزة الكبرى لأفضل شريط تلفزي في الدورة الرابعة عشرة لمهرجان مكناس للدراما التلفزية. (لوسيت أنفو) Barlamaneلسيتي إنفو
الانتقال إلى التمثيل لم يكن خروجاً من عالمه، بل امتداداً له: شخصية رابور يؤديها رابور، وموسيقى تشتغل داخل السرد لا كخلفية له.
التعاونات: «زنقة زنقة»
في نونبر 2025 صدر «زنقة زنقة»، أول تعاون بين دادا والموتشو، بعد تشويق سبق الإصدار بأسابيع وأثار تفاعل أسماء من المشهد المغربي. (بيلبورد عربية) Billboard Arabia
والتعاونات في الراب ليست إضافة صوت إلى صوت، بل إعادة توزيع للجمهور وبناء لشبكات جديدة داخل المشهد.
ما الذي يمكن قوله، وما لا يمكن
لا يمكن القول إن دادا «أعاد صياغة الهيب هوب المغربي»؛ فهذا حكم نقدي يصعب إثباته داخل مشهد ساهمت فيه أجيال متعددة. لكن يمكن القول، استناداً إلى ما هو موثق، إن مساره يمثل واحداً من الخيارات اللافتة داخل الراب المغربي المعاصر: فنان يشتغل بلغة الهيب هوب العالمية ويصرّ على أن يضع عليها بصمة محلية، دون أن يتحول إلى استعادة متحفية للتراث.
وفي بلد متعدد اللغات والمناطق، لا يعود السؤال: كيف يصل فنان مغربي إلى الجمهور؟ بل: كيف يصل من دون أن يفقد المكان الذي جاء منه؟