علوم تكنولوجيا
أخر الأخبار

من التملّك إلى الظهور: كيف يعيد إنستغرام وتيك توك تشكيل عرض المكانة الاجتماعية في المغرب؟

في زمن أصبحت فيه الصورة الرقمية مصدراً للانتباه والاعتراف، لا يعني الظهور امتلاك المكانة، كما لا تضمن المكانة القديمة القدرة على التحكم في صورتها الجديدة.

بقلم: محمد جواد سيفاو
نيوز ليك – News Lik
مقال تحليلي


مقدمة: حين تصبح المكانة قابلة للتصوير

لنتخيل مشهداً مركباً، لا يوثّق واقعة بعينها، لكنه يجمع سلوكيات صارت مألوفة: شاب في العشرينيات يجلس في مقهى عصري بالدار البيضاء. يلتقط صوراً متعددة، يعدّل الإضاءة، يختار الزاوية المناسبة، ثم ينشر الصورة على إنستغرام مع الإشارة إلى موقع المقهى.

تتوالى الإشعارات: إعجابات، تعليقات، ورسائل تسأل عن تفاصيل “هذه الحياة”. بعد وقت قصير يغادر، يستقل حافلة للنقل العمومي، ويعود إلى منزل عائلي متواضع في حي شعبي.

المشهد افتراضي، لكن السؤال الذي يطرحه ليس كذلك:

ماذا يحدث حين تصبح المكانة الاجتماعية شيئاً يُعرض ويُقاس ويُقارَن يومياً على الشاشات؟

لا تفترض هذه القراءة أن الصورة الرقمية تكشف “الحقيقة الخفية” لحياة صاحبها، ولا أن كل عرض للرفاهية هو تزييف. الفكرة أكثر تحديداً: المنصات البصرية لم تُلغِ التفاوتات المادية في المغرب، لكنها غيّرت شروط ظهورها وتمثيلها ومقارنتها، وأضافت إلى البنية الاجتماعية القائمة طبقة جديدة من الرؤية والاعتراف الرقمي.

وهذا مقال تحليلي، لا دراسة ميدانية. لذلك سنميز، حيثما أمكن، بين ما تقوله البيانات فعلاً، وما يمكن استنتاجه منها، وما لا يزال في مستوى الفرضية التي تحتاج إلى بحث ميداني.


أولاً: الطبقة لم تختفِ، لكن شروط رؤيتها تغيّرت

السياق الاقتصادي يظل ضرورياً لفهم أي نقاش حول المكانة الاجتماعية.

وفق المعطيات السنوية للمندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل البطالة في المغرب 13% سنة 2025، مقابل 13.3% سنة 2024. وبين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، ارتفع المعدل من 36.7% إلى 37.2%. كما ارتفع معدل البطالة لدى النساء من 19.4% إلى 20.5%.
المصدر: المندوبية السامية للتخطيط

هذه الأرقام لا تثبت وجود علاقة مباشرة بين البطالة واستخدام المنصات، ولا ينبغي تحويلها إلى تفسير سببي جاهز. لكنها ترسم الخلفية الاقتصادية التي تتحرك داخلها عمليات عرض الذات والمقارنة الاجتماعية.

في الوقت نفسه، أصبح الاتصال الرقمي واسع الانتشار. فوفق تقرير Digital 2026: Morocco، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في المغرب 35.5 مليوناً في أكتوبر 2025، أي ما يعادل 92.2% من السكان، بينما بلغ عدد “هويات” مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي 22.8 مليون هوية، أي 59.1% من مجموع السكان.
المصدر: DataReportal – Digital 2026: Morocco

لكن الرقم الأخير يحتاج إلى قراءة دقيقة: “هويات مستخدمي شبكات التواصل” ليست بالضرورة عدداً من الأشخاص الفريدين. الشخص الواحد قد يمتلك أكثر من حساب، كما أن منهجيات المنصات وأدوات التخطيط الإعلاني لا تقيس دائماً الشيء نفسه.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين عدد الأشخاص، والهويات الرقمية، والوصول الإعلاني. فالخلط بينها قد ينتج أرقاماً تبدو دقيقة جداً، لكنها تجيب عن أسئلة مختلفة.

وتقدم مجموعة Sunergia صورة أخرى. ففي نسختها السادسة من Baromètre des Réseaux Sociaux au Maroc 2025، قالت المجموعة إن 81% من المغاربة يستخدمون شبكات التواصل، مع استمرار وجود تفاوتات مرتبطة بالعمر والمجال والوضع الاجتماعي-الاقتصادي.
المصدر: Sunergia – Baromètre 2025

ولا ينبغي اعتبار الفرق بين 59.1% و81% تناقضاً تلقائياً. فالمصدران لا يستخدمان بالضرورة التعريف نفسه ولا المنهجية نفسها. الرقم الإحصائي لا يصبح أكثر علمية لمجرد أنه يحمل فاصلة عشرية، وهي عادة بشرية غريبة في التعامل مع الأرقام.

الأهم هو أن الفضاء الرقمي أصبح واسعاً بما يكفي ليؤثر في طرق الظهور والتواصل، لكنه لا يشمل المجتمع المغربي بالتساوي.


ثانياً: من امتلاك المكانة إلى إنتاج إشاراتها

تقليدياً، كانت المكانة الاجتماعية تُبنى عبر تراكم طويل: التعليم، المهنة، السكن، السمعة، الدخل، وشبكة العلاقات.

وكانت إشاراتها ملموسة ومحلية: الحي، المدرسة، السيارة، الملابس، طريقة الكلام، وأسلوب العيش.

ما تغير مع المنصات البصرية ليس بالضرورة هذا الأساس المادي، بل سرعة إنتاج الإشارات الدالة عليه وسهولة تداولها واتساع جمهورها.

صورة واحدة يمكن أن تنتج انطباعاً عن نمط حياة معين خلال دقائق. لكن من الأدق القول إن الصورة تنتج إشارة إلى المكانة، لا المكانة نفسها.

وهنا يصبح استحضار مفهوم بيير بورديو لرأس المال الرمزي مفيداً. فرأس المال الرمزي لا يُخلق بمجرد عرضه، وإنما ينشأ عندما تحظى موارد أو خصائص معينة باعتراف اجتماعي يمنحها قيمة وشرعية.

بمعنى آخر، لا يستطيع الفلتر أن يصنع رأس مال اقتصادي من العدم، ولا تستطيع صورة سيارة مستأجرة أن تمنح صاحبها تلقائياً الموقع الاجتماعي الذي تملكه السيارة فعلياً. لكن المنصة تستطيع أن تجعل بعض الإشارات المرتبطة بالمكانة أكثر وضوحاً وقابلية للتداول والتقييم.

وهذا هو التحول الأهم.

يمكن أيضاً قراءة الظاهرة من خلال مفهوم إرفينغ غوفمان حول إدارة الانطباع: الفرد يقدم أمام الآخرين نسخة منتقاة من ذاته، ويختار ما يظهر وما يظل خارج المشهد.

غير أن المنصة الرقمية توسّع المسرح بصورة جذرية. فالجمهور لم يعد شخصاً موجوداً أمام الفرد في المكان نفسه، بل يمكن أن يكون خليطاً من الأصدقاء، والزملاء، والغرباء، والمتابعين، والخوارزميات، وأحياناً عملاء محتملين.

إنها إدارة للانطباع، لكن أمام جمهور متعدد وغير متزامن.


ثالثاً: هل انتقلنا فعلاً من التملّك إلى التجربة؟

من أكثر الأفكار جاذبية في تفسير التحول الرقمي القول إن التباهي انتقل من “ما أملك” إلى “ما أعيش”.

فبدلاً من الاقتصار على عرض المنزل أو السيارة أو المجوهرات، أصبحت الصور تعرض تجارب قابلة للتوثيق: مطعم، فندق، سفر، مقهى، حفل، مهرجان أو حدث ثقافي.

الفكرة معقولة تحليلياً، لكنها تحتاج إلى ضبط.

لا توجد، بحسب الأدلة المغربية المتاحة هنا، دراسة وطنية تسمح بالقول إن المغاربة انتقلوا جماعياً من التباهي بالممتلكات إلى التباهي بالتجارب.

الأدق هو القول إن التجربة أصبحت واحدة من المواد التي يمكن استخدامها في عرض المكانة رقمياً.

وتقدم دراسة نوعية استكشافية لـNour Fijahi وMounia Sliman حول قيمة العلامات الفاخرة لدى الميلينيالز المغاربة مؤشراً مهماً. فقد اعتمدت الدراسة على 29 مقابلة شبه موجهة مع ميلينيالز يقيمون في الدار البيضاء والرباط، ووجدت تفاعلاً بين البعد الوظيفي للمنتج، مثل الجودة والمتانة، وبين البحث عن التميز الشخصي والفرادة.
المصدر: الدراسة عبر IMIST

لكن الدراسة نفسها تصف منهجيتها بأنها استكشافية، وتحذر من تعميم نتائجها بسبب محدودية حجم العينة. ولذلك فهي تصلح لدعم فرضية حول تغير رموز التمايز، لا لإثبات تحول شامل في المجتمع المغربي.

وهذا الفرق بين “الدليل” و”المؤشر” مهم جداً.

فالشخص الذي ينشر صورة من مطعم فاخر لا يثبت بالضرورة أنه يعيش حياة مترفة. لكنه أيضاً لا يثبت أنه يزيّف حياته.

إنه يعرض جزءاً منها.

وهنا تصبح المسألة السوسيولوجية أكثر إثارة: لم يعد السؤال فقط ماذا يملك الفرد، بل ماذا يختار أن يجعل مرئياً من حياته.


رابعاً: مساواة في الأدوات، لا في القدرة على تحويلها إلى مكانة

تمنح المنصات الرقمية انطباعاً أولياً بالمساواة: التطبيق نفسه متاح، الكاميرا نفسها تقريباً، والفلاتر والأدوات متاحة للجميع.

لكن المساواة في الوصول إلى الأداة لا تعني المساواة في القدرة على استخدامها لإنتاج حضور مؤثر.

فبين امتلاك الحساب وتحويله إلى مصدر للانتباه والاعتراف توجد موارد متفاوتة التوزيع: هاتف جيد، اتصال مستقر، وقت، مهارات رقمية، معرفة بقواعد المنصة، رأس مال ثقافي، شبكة اجتماعية، وأحياناً القدرة على تمويل التجارب التي تُعرض أمام الكاميرا.

وهكذا يمكن أن تنتج المنصة مفارقة أساسية:

الجميع يستطيعون النشر، لكنهم لا يملكون جميعاً القدرة نفسها على أن يُروا.

وتكشف بيانات DataReportal نفسها عن اختلالات في تركيبة الهويات الرقمية؛ إذ كانت نسبة الهويات النسائية 41% مقابل 59% للذكور في أواخر 2025.
المصدر: DataReportal – Morocco 2026

لا تعني هذه النسب وحدها وجود تمييز طبقي أو اجتماعي على المنصات، لكنها تؤكد أن الحضور الرقمي نفسه ليس صورة مطابقة للمجتمع بأكمله.


خامساً: المقارنة الاجتماعية في زمن الجمهور الدائم

طرح ليون فستينغر، في نظرية المقارنة الاجتماعية، فكرة أن الأفراد يقارنون أنفسهم بالآخرين لتقييم موقعهم وقدراتهم.

في البيئة الرقمية، تغير حجم هذا الجمهور وطبيعته.

لم يعد الفرد يقارن نفسه فقط بزميل في العمل أو جار في الحي، بل يمكن أن يقارن حياته بعشرات أو مئات الحسابات التي تعرض، بصورة انتقائية، السفر والنجاح والرفاهية والجمال والإنجاز.

لكن يجب الحذر من خطوة إضافية لا تسمح بها الأدلة المتاحة هنا: لا يمكن القول، من دون بحث ميداني مغربي مباشر، إن هذه المقارنة تؤدي بالضرورة إلى الشعور بالنقص أو الحسد أو عدم الرضا.

ما يمكن قوله هو أن البنية التقنية للمنصات تجعل المقارنة أكثر سهولة واستمرارية، بينما يبقى أثرها النفسي والاجتماعي موضوعاً يحتاج إلى قياس.

وهذا التمييز ضروري لأن الخوارزمية ليست شيطاناً اجتماعياً يكتب السيناريو ليلاً. إنها بنية تقنية واقتصادية معقدة، وتأثيراتها تختلف باختلاف الاستخدام والمستخدم والسياق.


سادساً: الضيق النفسي — ماذا تقول الأدلة فعلاً؟

هنا تصبح الدقة أكثر أهمية، لأن تحويل الارتباط الإحصائي إلى سبب ونتيجة قد يحول مقالاً تحليلياً إلى معلومة مضللة.

نشرت مجلة Scientific Reports في 10 فبراير 2026 دراسة واسعة حول الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي لدى المراهقين والشباب في المغرب. وشملت الدراسة 2202 مشاركاً تتراوح أعمارهم بين 14 و23 سنة، بمتوسط عمر بلغ 16.81 سنة. واعتمد الباحثون على استبيانات ومقاييس معتمدة لقياس الاستخدام الإشكالي، والضيق النفسي، والخوف من فوات الشيء والانخراط في وسائل التواصل.
المصدر: Scientific Reports – الدراسة الأصلية

بلغت نسبة المشاركين المصنفين ضمن فئة الاستخدام الإشكالي 25.5%، مع مجال ثقة 95% بين 23.7% و27.3%. وكانت النسبة أعلى لدى الإناث، والأكبر سناً داخل العينة، وسكان المدن، والأفراد المنتمين إلى أسر ذات وضعية اقتصادية أضعف.
المصدر: Scientific Reports – النتائج

ومن بين النتائج اللافتة أن نسبة الاستخدام الإشكالي بلغت 38.6% لدى المشاركين من أسر ذات وضعية اقتصادية ضعيفة، مقابل نسب أقل في الفئات الاقتصادية الأعلى.
المصدر: Scientific Reports – النتائج التفصيلية

كما وجدت الدراسة ارتباطاً إيجابياً بين مؤشرات الضيق النفسي، بما فيها أعراض الاكتئاب والقلق والتوتر، وأعراض الاستخدام الإشكالي. وظهر FoMO، أي الخوف من فوات الشيء، والانخراط في وسائل التواصل، كوسيطين جزئيين في النموذج الإحصائي. وفسر النموذج نحو 35% من التباين في الاستخدام الإشكالي.
المصدر: Scientific Reports – نموذج الدراسة

لكن هناك ثلاثة حدود يجب ألا تختفي وسط الأرقام.

أولاً: الدراسة مقطعية.

أي أنها تقيس المتغيرات في لحظة زمنية واحدة. لذلك لا يمكنها إثبات أن استخدام وسائل التواصل تسبب في الضيق النفسي. فمن الممكن أيضاً أن يكون الضيق النفسي أحد العوامل التي تدفع بعض الأشخاص إلى الاستخدام الإشكالي، أو أن تعمل العوامل في الاتجاهين.

ثانياً: العينة مدرسية.

اختير المشاركون من مدارس ثانوية في مناطق حضرية وقروية، وشملت العينة 23 مؤسسة تعليمية. وهذا يجعل الدراسة مهمة جداً في فهم المراهقين والشباب المتمدرسين، لكنه لا يجعلها دراسة ممثلة لكل الشباب المغربي.
المصدر: Scientific Reports – منهجية العينة

ثالثاً: ما قيس هو الضيق النفسي والأعراض، وليس تشخيصات سريرية.

استخدم الباحثون مقياس DASS-21 لقياس أعراض الاكتئاب والقلق والتوتر خلال الفترة السابقة للاستبيان، وهو لا يساوي تشخيصاً طبياً بالاكتئاب أو اضطراب القلق.
المصدر: Scientific Reports – أدوات القياس

لذلك فإن الصياغة العلمية الدقيقة ليست:

“وسائل التواصل تسبب الاكتئاب.”

بل:

“توجد علاقة ارتباطية بين الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل ومؤشرات الضيق النفسي لدى أفراد العينة، مع دور وسيط جزئي لـFoMO والانخراط في وسائل التواصل.”

والفرق بين الجملتين ليس تفصيلاً أكاديمياً. إنه الفرق بين تحليل يحترم الأدلة وتحليل يطلب من الإحصاء أن يعترف بشيء لم يقله.


سابعاً: هل تنتج المنصات تراتبية جديدة أم تعيد تمثيل التراتبية القديمة؟

يمكن اختزال النقاش في أطروحتين.

الأولى ترى أن المنصات تنتج أشكالاً جديدة من التراتبية، تقوم على المتابعين، والتفاعل، والانتشار، والقدرة على إنتاج محتوى يحظى بالانتباه.

في هذه الحالة، يصبح عدد المشاهدات نوعاً من الاعتراف الرقمي، ويصبح الحساب نفسه مورداً يمكن أن يتحول، في ظروف معينة، إلى دخل أو فرصة مهنية أو شبكة علاقات.

الثانية ترى أن هذه التراتبية الجديدة ليست مستقلة تماماً عن التراتبية القديمة.

فعدد المتابعين لا يظهر من الفراغ، والقدرة على إنتاج محتوى جذاب ترتبط أحياناً بالموارد المادية والثقافية والاجتماعية التي يملكها الفرد خارج المنصة.

ومن هنا يبدو الموقف التركيبي أكثر اتساقاً مع الأدلة المتاحة:

المنصات لا تلغي التراتبية الاجتماعية، لكنها تضيف إليها بعداً رقمياً.

يمكن لشاب من خلفية متواضعة أن يحقق انتشاراً واسعاً، لكن الانتشار لا يعني تلقائياً امتلاك رأس مال اقتصادي أو ثقافي أو اجتماعي يعادل ما لدى شخص أكثر ثراءً.

وفي المقابل، يمكن للانتشار الرقمي نفسه، في بعض الحالات، أن يتحول إلى مورد اقتصادي أو مهني.

وهنا تظهر إحدى أكثر خصائص المنصة أهمية: إمكانية تحويل الانتباه إلى قيمة.

فالانتباه ليس ثروة بالمعنى التقليدي، لكنه يمكن أن يصبح مدخلاً إليها.


ثامناً: أرقام المنصات لا تعني دائماً عدد المستخدمين

عند الحديث عن إنستغرام وتيك توك في المغرب، ينبغي تجنب استخدام أرقام الوصول الإعلاني باعتبارها أعداداً مؤكدة للمستخدمين النشطين.

وفق بيانات DataReportal المبنية على أدوات الإعلانات، بلغ جمهور إنستغرام الإعلاني المحتمل في المغرب 15.1 مليوناً في أواخر 2025، أي ما يعادل 39.2% من مجموع السكان.

أما تيك توك، فأظهرت أدواته الإعلانية وصولاً محتملاً إلى 16.7 مليون مستخدم بالغ في الفترة نفسها.

هذه الأرقام مهمة لفهم حجم الجمهور الذي يمكن للمعلنين الوصول إليه، لكنها لا تعني بالضرورة أن هذا العدد يساوي عدد المستخدمين النشطين فعلياً. DataReportal نفسه يحذر من التعامل مع أرقام الوصول الإعلاني بوصفها مرادفاً لقاعدة المستخدمين النشطين.
المصدر: DataReportal – بيانات Instagram وTikTok في المغرب

وهذه نقطة منهجية أساسية في أي مقال يتناول اقتصاد الانتباه.


تاسعاً: ما الذي لا نستطيع إثباته بعد؟

رغم كثافة النقاش حول أثر المنصات في المجتمع المغربي، ما تزال هناك أسئلة أساسية لا توفر البيانات الحالية إجابات حاسمة عنها.

لا نملك، مثلاً، أدلة وطنية كافية تسمح بالقول إن إنستغرام وتيك توك أعادا تشكيل بنية الطبقات الاجتماعية نفسها.

ولا نملك دراسة وطنية مباشرة تثبت أن المغاربة انتقلوا من التباهي بالممتلكات إلى التباهي بالتجارب.

ولا توجد أدلة كافية تسمح بالقول إن المنصات تخلق بالضرورة “حقداً طبقياً” أو “تآكلاً للقناعة” أو “تزييفاً للهوية”.

هذه المفاهيم يمكن أن تكون موضوعاً لفرضيات بحثية، لكنها ليست نتائج يمكن تقديمها باعتبارها حقائق.

وهنا يجب الفصل بين مستويين:

ما تغير بوضوح هو قابلية المكانة للعرض والتداول والمقارنة.

أما مدى تأثير هذا التحول في البنية الطبقية المغربية نفسها، فما يزال يحتاج إلى بحث ميداني.


عاشراً: المنصة ليست آلة لإعادة إنتاج التفاوت فقط

من السهل النظر إلى المنصات باعتبارها آلات لإنتاج المقارنة والضغط والتفاوت.

لكن هذا التفسير وحده ناقص.

فالمنصات تمنح بعض الأفراد فرصاً لم تكن متاحة بسهولة في الإعلام التقليدي:

  • التعبير أمام جمهور واسع؛
  • بناء علامة شخصية؛
  • إطلاق مشاريع صغيرة؛
  • تسويق المنتجات والخدمات؛
  • بناء شبكات مهنية؛
  • الوصول إلى جمهور خارج المجال الجغرافي المباشر؛
  • وتحويل المحتوى، في حالات معينة، إلى مصدر دخل.

لكن هذه الإمكانات لا تعمل بطريقة متساوية.

فامتلاك الحساب لا يعني امتلاك المهارة، وامتلاك المهارة لا يعني امتلاك الجمهور، وامتلاك الجمهور لا يعني بالضرورة امتلاك دخلاً مستقراً.

لذلك فإن المنصة تحمل تناقضاً أساسياً:

يمكنها أن تعيد إنتاج التفاوت، لكنها تستطيع في الوقت نفسه أن تفتح ثغرات محدودة لتجاوزه.

وهذا التناقض أكثر أهمية من أي حكم أخلاقي بسيط يقول إن التكنولوجيا “جيدة” أو “سيئة”.


خاتمة: من يملك المكانة، ومن يملك حق رؤيتها؟

لم تُحدث إنستغرام وتيك توك ثورة مثبتة في البنية الطبقية المغربية. الأدلة المتاحة تسمح باستنتاج أكثر تواضعاً، وربما أكثر أهمية:

المنصات أعادت تنظيم شروط رؤية المكانة الاجتماعية.

فالمكانة التي كانت تُقرأ في الحي، والملابس، والمدرسة، والسيارة، وطريقة الكلام، أصبحت تُعرض أيضاً عبر الصور والفيديوهات والمواقع والتجارب التي يختار الفرد توثيقها.

لكن الصورة الرقمية لا تلغي الواقع المادي.

قد تمنح المنصة فرداً قدرة استثنائية على الظهور، لكنها لا تمنحه بالضرورة دخلاً أعلى، أو تعليماً أفضل، أو سكناً أفضل، أو شبكة علاقات أقوى.

وفي المقابل، قد يتحول الظهور الرقمي، في بعض الحالات، إلى مورد اقتصادي أو مهني، ما يعني أن الاعتراف الرقمي ليس مجرد انعكاس للمكانة القديمة، بل يمكن أن يصبح أحياناً جزءاً من إنتاج موارد جديدة.

أما على المستوى النفسي، فتشير الدراسة المغربية المنشورة في Scientific Reports إلى ارتباط واضح بين الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل ومؤشرات الضيق النفسي لدى عينة من المراهقين والشباب، مع دور وسيط جزئي لـFoMO والانخراط في وسائل التواصل. لكنها لا تثبت علاقة سببية، ولا تسمح بتعميم نتائجها على جميع المغاربة.
المصدر: الدراسة الأصلية – Scientific Reports

لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل ألغت المنصات الطبقات الاجتماعية؟

بل:

كيف أعادت توزيع شروط الظهور والاعتراف والمقارنة داخل مجتمع لا تزال موارده المادية والثقافية والاجتماعية موزعة بشكل غير متكافئ؟

وهنا تكمن المفارقة الأساسية.

في العالم الواقعي، قد تحتاج المكانة إلى سنوات من التعليم والعمل والمال والعلاقات.

على الشاشة، قد تحتاج أحياناً إلى صورة واحدة كي تبدو وكأنها وصلت.

لكن أن تبدو صاحب مكانة ليس هو نفسه أن تمتلكها.

وبين الاثنين، تقع المسافة التي تستحق أن تدرسها السوسيولوجيا المغربية الجديدة: المسافة بين ما نملكه، وما نعيشه، وما نختار أن نُريه للآخرين.


المراجع

Abbouyi, S., Bouazza, S. & Zarrouq, B. (2026).
“Psychological distress and problematic social media use among Moroccan youth mediated by fear of missing out and social media engagement.” Scientific Reports, 16, 8184.
الدراسة الأصلية

DataReportal / Kepios – We Are Social – Meltwater (2025).
Digital 2026: Morocco.
التقرير الكامل

المندوبية السامية للتخطيط (2026).
“وضعية سوق الشغل سنة 2025.”
المصدر الرسمي

Groupe Sunergia (2025).
Baromètre des Réseaux Sociaux au Maroc 2025.
المصدر الرسمي

Fijahi, N. & Sliman, M. (2025).
“La valeur fonctionnelle perçue de la marque de luxe auprès des millennials : une étude qualitative exploratoire.” Economics and Management Review.
الدراسة عبر IMIST

Bourdieu, P.
مفاهيم رأس المال الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والرمزي، مستخدمة هنا كإطار نظري تحليلي.

Goffman, E. (1959).
The Presentation of Self in Everyday Life.

Festinger, L. (1954).
“A Theory of Social Comparison Processes.”

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى