سيدي علال البحراوي.. حين تصبح الثقافة بلا بيت: بناية قائمة ومدينة بلا فضاء
بين بنايات يفترض أن تحتضن الثقافة ومواهب تبحث عن مكان، يبرز سؤال المدينة: أين هو الفضاء الذي يمنح الشباب فرصة للتعبير والإبداع؟

تحليل — NewsLIK
الثقافة لا تموت بقرار. لا يوجد محضر إداري يعلن وفاتها، ولا تاريخ يُدوَّن في سجل. تموت ببطء، على شكل بناية تبقى واقفة بينما تغادرها وظيفتها. يظل الجدار، ويختفي المعنى.
في سيدي علال البحراوي، على الطريق الوطنية رقم 6، تقف بناية تحمل اسم دار الثقافة عبد الحميد الزموري. وهي ليست فكرة ولا مشروعاً مؤجلاً: إنها مرفق قائم، احتضن سنة 2016 اختتام الملتقى السادس للأيام الثقافية الأمازيغية، بأمسية فنية أحياها الفنان مصطفى أومكيل أمام جمهور من الساكنة، بتنظيم من جمعية إيزوران وشراكة مع المجلس الجماعي والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية والسلطات المحلية.
هذه واقعة موثقة. والسؤال الذي يطرحه هذا التحليل ليس عنها، بل عمّا جاء بعدها: ما الذي يحدث لمدينة حين يتوقف فضاؤها الثقافي الوحيد عن إنتاج برنامج مرئي؟
1. المرفق الثقافي ليس بناية
الخطأ التحليلي الأكثر شيوعاً في تقييم السياسات الثقافية المحلية هو الخلط بين التجهيز والخدمة. التجهيز يُقاس بالمتر المربع وبكلفة البناء؛ الخدمة تُقاس ببرنامج أسبوعي، وبعدد جمعيات تلج الفضاء، وبمواهب تخرج منه.
يمكن لمدينة أن تتوفر على دار ثقافة ولا تتوفر على حياة ثقافية. بل يمكن للبناية نفسها أن تصبح حجة على الغياب: ما دام المرفق قائماً، يُفترض أن الحاجة قد لُبّيت، فيسقط الملف من جدول الأولويات. هكذا يتحول التجهيز من وسيلة إلى غطاء.
2. مدينة تكبر أسرع من مرافقها
سيدي علال البحراوي ليست مدينة مستقرة الحجم. موقعها على المحور الرابط بين الرباط وسلا والقنيطرة والخميسات، وقربها من العاصمة، جعلاها وجهة استقرار لسكان قادمين من الحواضر المجاورة، وفضاء توسع عقاري وسكني متواصل.
وهذا النمط من النمو ينتج معضلة معروفة في سوسيولوجيا المجال الحضري: مدينة تُبنى فيها المساكن بإيقاع أسرع مما تُبنى به الوظائف الاجتماعية. تتضاعف الأسر، ويتضاعف عدد الشباب، بينما تظل البنية الوسيطة — الفضاء الثقافي، النادي، المكتبة، القاعة — على حالها أو دونه.
وقد كان إميل دوركهايم قد نبّه، في تحليله للتماسك الاجتماعي، إلى أن المجتمعات لا تتماسك بالقرب الجغرافي بين أفرادها، بل بالمؤسسات التي تنتج لديهم تمثلات ومعايير مشتركة. وحين تضعف هذه المؤسسات الوسيطة، يظهر ما سماه حالة الأنومي: أفراد متجاورون في المجال، متباعدون في المعنى.
3. الفراغ لا يبقى فارغاً
حين تتوقف المؤسسة الثقافية العمومية عن أداء وظيفتها، لا يتوقف الطلب الثقافي؛ يهاجر فقط. يهاجر إلى الشاشة، وإلى المنصات الرقمية، وإلى فضاءات الاستهلاك الخاص، وأحياناً إلى الشارع.
والفرق جوهري: الفضاء الثقافي العمومي مجاني، ومحلي، ومنتِج — يمنح الشاب المحلي إمكانية أن يصعد إلى الخشبة لا أن يشاهدها فقط. أما البديل الرقمي فهو مؤدى عنه ولو بشكل غير مباشر، وعابر للمحلي، واستهلاكي بالأساس. الأول يُنتج فاعلين ثقافيين؛ الثاني يُنتج جمهوراً.
ما يُفقد إذن ليس “أنشطة ترفيهية”. ما يُفقد هو قناة الصعود الثقافي المحلي: المسرحي الذي لن يجد خشبة، والموسيقي الذي لن يجد قاعة تمرين، والجمعية التي لن تجد مقراً لنشاطها.
4. سؤال بنيوي لا محلي فقط
في يناير 2026، أعاد إغلاق دار الثقافة بمدينة القصر الكبير النقاش نفسه إلى الواجهة، بعدما شكلت تلك المؤسسة لسنوات فضاءً للأنشطة الفنية والفكرية ومنبراً للمواهب الشابة.
تكرار الظاهرة في أكثر من مدينة يرجّح أن المسألة بنيوية أكثر منها فردية، وأنها ترتبط بنموذج حكامة المرافق الثقافية المحلية: من يبني؟ من يدبّر؟ من يموّل التسيير لا الاستثمار؟ ومن يُسائَل حين يتوقف المرفق؟
وهذه أسئلة تفسيرية مطروحة على النقاش العمومي الوطني، ولا يصح إسقاطها كأحكام جاهزة على حالة بعينها قبل التحقق منها.
خلاصة
السؤال الحقيقي ليس: لماذا أُغلقت بناية؟ السؤال هو: ما الذي يجعل مرفقاً عمومياً يُبنى بالمال العام ثم يُترك بلا وظيفة، دون أن يترتب على ذلك أثر إداري أو سياسي؟
الثقافة لا تموت لأن أحداً قتلها. تموت لأن لا أحد كُلِّف رسمياً بإبقائها حية.