جهوية
أخر الأخبار

قانون الصحافة الجديد.. إصلاح للمهنة أم تضييق على استقلالية الإعلام؟

إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة وتعديل النظام الأساسي للصحافيين يعيدان طرح سؤال التوازن بين تأطير المهنة وضمان استقلاليتها، وسط انقسام مهني وحقوقي حول اتجاه الإصلاحات.

وانفجرت بوادر الأزمة مع تبني مشروع القانون الذي جاء ليعيد صياغة القواعد بعد تعثر انتخابات المجلس الوطني للصحافة. وجاءت كبرى المفاجآت في بنود النص التي اعتبرها منتقدون قفزة إلى الوراء؛ حيث تم التراجع عن آلية “الانتخاب” المباشر لفئة الناشرين والاعتماد بدلاً من ذلك على نظام “الانتداب والتعيين”. هذا التحول، إلى جانب إسناد الإشراف على العملية الانتقالية للجنة مؤقتة معينة حكومياً، جعل الهيئات المهنية – وعلى رأسها النقابة الوطنية للصحافة المغربية – تدق ناقوس الخطر، معتبرة أن هذه المقتضيات تمس بالشفافية والاتزان والاستقلالية.
ولم تتوقف الانتقادات عند طريقة اختيار الأعضاء، بل امتدت لتشمل تركيبة المجلس الجديدة التي تمنح غلبة عددية واضحة بـ 9 مقاعد لفئة الناشرين مقابل 7 مقاعد فقط للصحافيين، وهو ما تراه النقابات حيفاً يخل بمبدأ التكافؤ. وعلاوة على ذلك، فرض القانون شروطاً مالية إقصائية لربط تمثيلية الناشرين برقم المعاملات وحجم المؤسسة وعدد المستخدمين، مما قد يقصي المنابر الناشئة والمستقلة لحساب الشركات الكبرى. كما تم رفع حدة الإجراءات الزجرية والعقوبات التأديبية لتصل إلى إمكانية سحب البطاقة المهنية لمدة 3 سنوات في حالة العود، وهو بند يراه محامون وصحافيون سيفاً مسلطاً على الأقلام الحرة.
وفي مقابل هذه المخاوف، تدافع الحكومة بقوة عن خياراتها التشريعية، معتبرة أن المنظومة السابقة أثبتت عجزها الهيكلي عن تدبير الأزمات الداخلية للمهنة وفرض الانضباط الأخلاقي. وترتكز الحجج الحكومية على أن النموذج الجديد يسعى إلى بناء مقاولات صحفية قوية وازنة اقتصادياً قادرة على الصمود أمام المنافسة الدولية الشرسة وجلب الاستثمارات، بدلاً من استمرار ظاهرة الهشاشة التي تعاني منها بعض المنابر. وتؤكد الوزارة الوصية أن التدابير الجديدة، بما فيها نشر لوائح الصحافيين وتدقيق المعايير، تهدف بالأساس إلى حماية المهنة وتطهيرها من الدخلاء و”الريع الإعلامي”، معتبرة أن إرساء الفعالية والحكامة يتطلب حزماً تشريعياً وهيئات ذات صلاحيات واضحة ومسؤولة.
كما حظي التوجه نحو مراجعة القوانين بتوصيات من مؤسسات دستورية مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والتي طالبت بضرورة إدماج الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتحويل تركيز المجلس من مجرد جهاز تأديبي إلى آلية لتطوير الأوضاع الاجتماعية للصحافيين.
وتجاوز الخلاف ردهات البرلمان لينزل إلى الشارع، حيث جسد مئات الصحافيين والمهنيين وقفات احتجاجية حاشدة للتنديد بمضامين المشروع والتأكيد على أن كرامة الصحفي واستقلاليته خط أحمر. وبين طموح حكومي معلن لخلق مقاولات صحفية قوية ومنافسة، وتخوف مهني مشروع من ترويض القلم الحر وتكبيل التنظيم الذاتي، يبقى السؤال المعلق في فضاء الإعلام: هل سينجح هذا القانون في إنقاذ المهنة من عشوائيتها، أم أنه سيكتم ما تبقى من أنفاس الحرية في جسد الصحافة؟
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى