ثقافة وفنون
أخر الأخبار

سعيد أيت باجا.. ممثل وأستاذ وفاعل سياسي: ثلاث واجهات لشخصية واحدة

الفنان والممثل المسرحي سعيد آيت باجا ومساره بين العمل الفني والنشاط السياسي والحزبي في المغرب.


في زمن تُختزل فيه المواهب الفنية في “ترندات” عابرة، ويُقاس فيه حجم الفنان بعدد متابعيه، يظل البحث عن “الوزن النوعي” رحلة شاقة. لكن ثمة أسماء في المشهد الثقافي المغربي، لا تحتاج إلى ضجيج، لأنها بنت حضورها بالصبر، وطوّرت أدواتها بالنقد، وجعلت من الفن قضية، ومن الخشبة منبراً. سعيد أيت باجا، هو واحد من أولئك القلائل الذين لم يرضوا بأن يكونوا مجرد “وجوه”، بل أصروا على أن يكونوا “أفكاراً” متجسدة.

الجذور الفلسفية.. عندما يكون التمثيل بحثاً في الأنطولوجيا

ما يميز مسار أيت باجا عن غيره من المعاصرين، هو ذلك الامتداد الغائر في عمق الفلسفة. لم تكن دراسة الفلسفة في جامعة القاضي عياض بمراكش مجرد حصول على شهادة، بل كانت بمثابة تمرين روحي في منهجية الشك والتفكيك. هذا التكوين الفلسفي لم يهب الرجل قدرة على قراءة النص فحسب، بل منحه القدرة على قراءة “اللاوعي” الجمعي للشخصيات التي يؤديها.

إنه يمارس التمثيل كأنه مشرّح نفسي، يدخل إلى أعماق الدور، ليس لينفذ تعليمات المخرج، بل ليُخضعها لمنطق داخلي يجعله وحده قادراً على الإقناع. هذا “المنهج الفلسفي” هو ما جعل انتقاله من قاعات الفلسفة إلى مدرجات المعهد العالي للفن المسرحي بالرباط انتقالاً عضوياً، وليس قطيعة معرفية. لقد حوّل المسرح إلى معمَل للتساؤل الوجودي، حيث كل حركة هي إجابة، وكل سكتة هي سؤال.

نقد التكرار: لماذا لا يشبه نفسه؟

في جعبة أيت باجا مسيرة تمثيلية غنية، تنوعت بين الأعمال الدرامية التي لامست الواقع الاجتماعي، مثل “الماضي لا يموت”، والأعمال الكوميدية التي كشفت هفوات المجتمع دون أن تسخر منه، مثل “ولاد العم” و“قهوة نص نص”. لكن السمة الأبرز في أدائه، والتي غالباً ما تغفل عنها القراءات السطحية، هي “اللااستقرارية الفنية” المقصودة.

إنه يرفض أن يكون “ضيفاً دائماً” على شخصية واحدة، حتى لو ضمنت له شهرة أوسع. في كل دور، يبحث عن “الثغرة” في المألوف، عن تلك النقطة التي يجعل فيها المتفرج يعيد النظر في توقعاته. هذه المعركة اليومية مع النمطية، هي ما جعلته محط احترام النقاد، وحصوله على جوائز في المهرجان الوطني للمسرح لم تكن من باب المصادفة، بل كانت اعترافاً بجهد بحثي منهجي قبل أن تكون جائزة أدائية.

معضلة الأستاذ والفاعل: عندما يتجاوز التأثير الخشبة

الانتقال من موقع الطالب إلى منصة الأستاذ في المعهد العالي للفن المسرحي، كان تحولاً مفصلياً في حياة أيت باجا. لكن السؤال الصعب الذي يطرح نفسه: هل الممثل القدير بالضرورة أستاذ ناجح؟ وهنا تكمن عبقرية أيت باجا، إذ لم يكتفِ بنقل الخبرة، بل عمل على تفكيكها أمام طلبته، ليشرح لهم لماذا فشلت شخصيات معينة أو نجحت، في منهجية أكاديمية نادرة في الوسط الفني المغربي.

منذ 2011، وهو يمارس التدريس كنوع من “الالتزام الأخلاقي” تجاه الجيل القادم، مدركاً أن هشاشة المشهد الثقافي المغربي لا تُعالج بمنتوجات عفوية، بل بتكوين مؤسساتي يربط بين النظرية والتطبيق. وهو بهذا يقدم نموذجاً نادراً للمثقف العضوي، الذي لا يكتفي بأن يكون جزءاً من النخبة، بل يسعى لأن يكون جسراً تعبر عليه الأجيال.

العمل الجمعوي: مواجهة “اليأس الثقافي”

بعيداً عن الأضواء، يمارس أيت باجا نوعاً آخر من النضال، ربما يكون أكثر صعوبة من الوقوف أمام الكاميرا. إنه مشروعه في رئاسة جمعية “إيسيل” للمسرح والتنشيط الثقافي، وتنظيمه للمهرجان الدولي للمعاهد المسرحية.

هذا الوجه المخفي من شخصيته يكشف عن رجل يؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة وجودية. في بلد يعاني فيه المسرح من غياب الدعم المادي والمعنوي، وفي زمن تتراجع فيه أولوية الفنون في السياسات العمومية، يجد أيت باجا نفسه مضطراً لأن يكون “سياسياً” بمعنى الكلمة، مدافعاً عن حق المبدع في العيش الكريم، وعن حق المجتمع في الوصول إلى منتوج ثقافي راقٍ.

السياسي والنقابي: دفاع عن “الإنسان” قبل الفنان

رحلته في رئاسة الفيدرالية الوطنية للفنانين التجمعيين، ودفاعه المستمر عن القوانين المنظمة لمهنة الممثل، لم تكن مجرد طموح شخصي، بل امتداد لفلسفته في الحياة. إنه يؤمن بأن الفنان، أي فنان، هو وليد مؤسسات، وأن عزلة المبدع عن هموم مهنته هي وصفة للفناء.

في حواراته ونقاشاته، يطرح أيت باجا قضايا لم تكن لتُطرح في سياق نقابي مغرق في الروتين، كضرورة ربط الأجر الفني بمؤشرات الجودة، وأهمية إحداث صناديق للتضامن بين الفنانين، وفتح النقاش حول “سلطة المخرج” وحدود “حرية التعبير” في نصوص تتناول القضايا الحساسة. إنه يمارس السياسة، ليس كسياسي، بل كفيلسوف يضع قضايا المجتمعة تحت مجهر النقد.

نقد البناء: مسار بلا “أزمات”.. هل هي ميزة أم عيب؟

وإذا كنا بصدد قراءة نقدية متعمقة، فلا بد من التوقف عند سمة غريبة في مسار سعيد أيت باجا، وهي “الاستقامة” المفرطة في التدرج. إنه مسار خطي: فلسفة، مسرح، تمثيل، تدريس، جمعوي، سياسي. جميعها حلقات متصلة، وهذا الاتصال، وإن كان يمنحه مصداقية أكاديمية، إلا أنه قد يحرم تجربته من تلك “الصدمات” الإبداعية التي تصنع التحولات الكبرى في حياة الفنانين.

ربما كان في إمكان أيت باجا، بثقافته الموسوعية، أن يخوض تجارب فنية أكثر جرأة، أو أن ينحاز للهامش الفني، لكنه اختار أن يكون “بناءً” ثابتاً وموثوقاً في صرح الثقافة المغربية. هذا الاختيار، شاء أم أبى، يضعه في مواجهة السؤال الأبدي: هل الاستمرارية والنضج أفضل من المخاطرة والتجديد؟

في النهاية، سعيد أيت باجا ليس مجرد فنان يؤدى أدواره وينصرف، بل هو مشروع ثقافي متكامل. إنه يحمل في جعبته هموم الفيلسوف، وأدوات الممثل، وصبر الأستاذ، وصرامة المسؤول، وطيبة المربي.

قيمته الحقيقية لا تكمن في عدد الجماهير التي صفقته، بل في عدد الفنانين الذين سيواصلون مشواره الفكري بعد رحيله. إنه نموذج للفنان الذي يزن خطواته بميزان لا يرحم، ميزان الفلسفة، ليضمن أن كل خطوة يخطوها ليست مجرد انتقال في المكان، بل إضافة نوعية إلى تاريخ المسرح المغربي. إذا كان الفن مرآة المجتمع، فإن سعيد أيت باجا هو ذلك الصانع الماهر الذي يصقل المرآة، لتعكس الحقيقة بكل تعقيداتها، بدلاً من أن تعكس وهج الأضواء فقط.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى