ثقافة وفنون
أخر الأخبار

عبد الحق كلاب.. الرجل الذي قرر إزعاج حراس التاريخ

صاحب «أوثان السلفية التاريخية» يفتح ملفات حساسة حول قراءة الماضي، ويضع المسلّمات التاريخية والفكرية أمام أسئلة النقد والمراجعة.

روبورتري | NEWS LIK

في كل مرة يقرر فيها باحث أن يقترب من التاريخ بعين مختلفة، لا يعود الأمر مجرد تمرين أكاديمي بين الكتب والمراجع. بعض صفحات الماضي، خصوصاً حين ترتبط بالهوية والدين واللغة وأصل الدولة، تظل حاضرة بقوة في الحاضر. لذلك، فإن من يفتحها من جديد لا يكتفي بتحريك أوراق قديمة، بل يحرك معها أسئلة ظلت لسنوات طويلة تبدو محسومة.

وسط هذا النوع من الأسئلة يبرز اسم الباحث المغربي عبد الحق كلاب، الذي اختار أن يجعل من التاريخ مجالاً للمساءلة لا للتلقي، وأن يتعامل مع الروايات الموروثة باعتبارها مادة قابلة للفحص والنقد، لا حقائق نهائية لمجرد أنها انتقلت من جيل إلى آخر.

مسار الرجل لا يمكن اختزاله في كتاب واحد، حتى وإن كان كتاب «أوثان السلفية» هو العمل الذي وضعه في قلب نقاش فكري واسع. فالكتاب، قبل أن يكون عنواناً مثيراً، يكشف عن شخصية باحث تبدو مشدودة إلى سؤال أكبر: كيف تشكلت الرواية التي نعرف بها تاريخ المغرب؟ ومن كتبها؟ وكيف وصلت إلينا؟ وما الذي سقط منها في الطريق؟

الرجل الذي لم يكتفِ بما قيل

عبد الحق كلاب ينتمي إلى جيل من الباحثين الذين وجدوا أنفسهم أمام تراث تاريخي ضخم، لكنه ليس بالضرورة تراثاً بسيطاً أو متجانساً. فالمصادر القديمة كتبت في سياقات مختلفة، وعلى مسافات زمنية من الأحداث التي تحدثت عنها، كما أن أصحابها كانوا يتحركون داخل تصورات دينية وسياسية وثقافية تخص عصورهم.

بالنسبة إلى كلاب، يبدو أن هذه الحقيقة تكفي لطرح السؤال الأول: هل يمكن أن نقرأ تلك المصادر كما لو أنها تقارير حديثة كتبت أمام أعيننا؟

السؤال يبدو عادياً للوهلة الأولى، لكنه يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بتاريخ المغرب، حيث تتقاطع الرواية التاريخية مع الذاكرة والهوية، وحيث يمكن لحدث يعود إلى قرون مضت أن يتحول إلى عنصر حاضر في النقاش السياسي والثقافي.

هنا تحديداً تبدأ ملامح شخصية كلاب الفكرية في الظهور. فهو لا يبدو معنياً فقط بمعرفة ما حدث، وإنما أيضاً بكيفية وصولنا إلى الاعتقاد بأن ما حدث كان على الصورة التي نعرفها اليوم.

حين يصبح السؤال أخطر من الجواب

ربما أكثر ما يميز تجربة عبد الحق كلاب هو إصراره على السؤال.

من كتب الرواية؟ وفي أي زمن؟ وما الظروف التي أحاطت بكتابتها؟ وهل توجد روايات أخرى؟ وما الذي تقوله الأدلة خارج النصوص التي اعتدنا الاستناد إليها؟

هذه الأسئلة قد تبدو جزءاً عادياً من المنهج التاريخي، لكنها تصبح ثقيلة عندما تلامس روايات ترسخت في الوعي الجماعي حتى تحولت إلى مسلمات.

فالتاريخ لا يعيش في الكتب وحدها. إنه يدخل إلى المدرسة، ومنها إلى الذاكرة، ثم يتحول إلى صورة عن الذات. ومع مرور الوقت، قد يصبح التفريق بين الحدث التاريخي وبين الطريقة التي رُوي بها ذلك الحدث أمراً بالغ الصعوبة.

كلاب يشتغل في هذه المنطقة تحديداً، حيث لا يعود المؤرخ أمام الماضي وحده، وإنما أمام طبقات متراكمة من التأويلات التي صنعت صورة ذلك الماضي.

«أوثان السلفية».. العنوان الذي كشف المعركة

حين اختار عبد الحق كلاب عنوان «أوثان السلفية»، لم يختر مدخلاً هادئاً إلى النقاش. العنوان نفسه يحمل استفزازاً فكرياً واضحاً، ويضع القارئ أمام فكرة مفادها أن بعض التصورات المرتبطة بالتعامل مع الموروث التاريخي قد تحولت من روايات قابلة للنقاش إلى ما يشبه المسلمات.

والمقصود بالسلفية في هذا السياق يرتبط، بحسب أطروحة الكتاب، بطريقة في التعامل مع الماضي والرواية التاريخية، وليس بالضرورة بالسلفية كتيار ديني أو سياسي بالمعنى المتداول.

وهنا تكمن إحدى نقاط قوة الكتاب من الناحية الصحفية: إنه لا يطرح فقط سؤالاً حول التاريخ، وإنما حول علاقتنا نحن بالتاريخ.

متى يتحول احترام التراث إلى رفض لنقده؟ ومتى يتحول الدفاع عن الذاكرة إلى دفاع عن رواية واحدة؟ وهل يمكن للباحث أن يقترب من الموروث من دون أن يقع في أسر القداسة؟

كلاب يفتح دفاتر التاريخ القديمة

في أطروحاته، يقترب الباحث من ملفات تاريخية شديدة الحساسية، من بينها قضايا مرتبطة بتشكل المغرب، والكيانات السياسية والثقافية التي ظهرت في المنطقة، ومسارات انتشار الإسلام والتعريب.

وهذه ليست موضوعات عادية.

فالحديث عن الأدارسة، وبرغواطة، والكيانات الصفرية وغيرها من الملفات، لا يتعلق بأسماء معزولة في كتاب تاريخ، وإنما يلامس أسئلة أعمق حول طبيعة المجتمع المغربي، وتعدد مكوناته، وكيف تشكلت الدولة والهوية عبر قرون طويلة.

وهنا لا تكمن أهمية كلاب فقط في النتائج التي يصل إليها، وإنما في استعداده لإعادة فتح الملفات نفسها.

قد يختلف معه باحثون في بعض استنتاجاته، وقد يطالبونه بأدلة أوثَق، وقد يجد آخرون في مشروعه محاولة ضرورية لتحرير البحث التاريخي من بعض المسلمات. لكن مجرد إعادة فتح النقاش يضع الرجل في قلب واحدة من أكثر القضايا حساسية في الفكر المغربي.

حين يتحول الماضي إلى قضية حاضرة

ليس غريباً أن يتقاطع التاريخ مع السياسة والهوية.

فالمجتمعات لا تستعمل الماضي فقط لمعرفة ما حدث، وإنما تستعمله أيضاً لتعريف نفسها. ولهذا فإن أي تغيير في قراءة الماضي قد تكون له انعكاسات على الحاضر.

عندما يتعلق النقاش بالأمازيغية والتعريب، مثلاً، فإن الأمر لا يبقى داخل حدود البحث التاريخي. وعندما نناقش طريقة انتشار الإسلام في المغرب أو طبيعة الكيانات التي سبقت قيام الدول المعروفة، فإننا نقترب من أسئلة تتعلق بالهوية والانتماء وطريقة فهم المجتمع لنفسه.

وهذا ما يجعل شخصية عبد الحق كلاب مثيرة للاهتمام. فهو يتحرك في منطقة تتقاطع فيها الأكاديمية مع أسئلة المجتمع، حيث يمكن لبحث في مخطوط قديم أن يتحول فجأة إلى نقاش حول الحاضر.

ليس كل ما هو قديم حقيقة نهائية

لكن قراءة تجربة كلاب تحتاج أيضاً إلى قدر من المسافة النقدية.

فرفض الروايات القديمة لمجرد أنها قديمة ليس منهجاً علمياً، كما أن الشك في المؤرخين السابقين لا يكفي وحده لإثبات رواية بديلة. غياب الدليل لا يعني تلقائياً أن الرواية الرسمية خاطئة، كما أن وجود رواية قديمة لا يجعلها صحيحة بالضرورة.

بين هذين الحدين تتحرك قيمة البحث التاريخي الحقيقي.

ولهذا فإن أطروحات كلاب، مثلها مثل أي أطروحات أخرى، تحتاج إلى أن تواجه الوثيقة والمقارنة والمصادر المختلفة، وأن تكون قادرة على الصمود أمام النقد المتخصص.

وهذا لا يقلل من أهمية المشروع، بل يمنحه قيمته الحقيقية. فالباحث الذي يدعو إلى مساءلة المسلمات لا ينبغي أن يطلب حصانة لأفكاره هو أيضاً.

الرجل الذي اختار المنطقة الرمادية

في النقاشات الفكرية، من السهل أن تختار أحد المعسكرين: إما الدفاع عن الرواية الموروثة، أو إعلان القطيعة معها.

لكن تجربة عبد الحق كلاب أكثر تعقيداً من هذا التقسيم.

فهو يضع نفسه في منطقة رمادية لا توفر الكثير من الأمان. هناك من يرى في نقد الروايات التقليدية ضرورة علمية، وهناك من يخشى أن يؤدي الإفراط في التشكيك إلى تفكيك الذاكرة الجماعية دون بدائل موثوقة.

والحقيقة أن الطرفين يملكان جزءاً من القلق المشروع.

التاريخ يحتاج إلى النقد، لكنه يحتاج أيضاً إلى الدليل. والهوية تحتاج إلى أن تكون مفتوحة على التعدد، لكنها لا تُبنى بمجرد إسقاط كل الروايات السابقة.

في هذه المسافة تحديداً تظهر قيمة الجدل الذي أثاره كلاب.

حين يصبح الباحث نفسه جزءاً من الحكاية

مع مرور الوقت، يتحول صاحب الفكرة أحياناً إلى جزء من الموضوع الذي يناقشه.

وهذا ما يحدث مع عبد الحق كلاب.

فالرجل لم يعد مجرد باحث يكتب عن التاريخ من بعيد، بل أصبح اسمه نفسه مرتبطاً بالنقاش حول الطريقة التي نقرأ بها هذا التاريخ. كتابه جعل شخصيته الفكرية جزءاً من المعركة، وجعل مواقفه وأطروحاته موضع قراءة ونقاش وربما اعتراض.

وهنا تحديداً تظهر أهمية الروبورتري.

لأن الحديث عن كلاب لا يتعلق فقط بما كتبه، وإنما بالرجل الذي اختار أن يدخل إلى مساحة يعرف مسبقاً أنها لن تكون مريحة. الباحث الذي يفتح ملفاً حساساً لا يستطيع دائماً التحكم في الأسئلة التي ستولد بعد ذلك.

قد يختلف معه القارئ، وقد يتفق معه، وقد يرفض جزءاً من أطروحته ويقبل جزءاً آخر.

لكن ما يصعب إنكاره هو أن الرجل اختار أن يطرح أسئلة لا تحظى دائماً بالشعبية.

ما الذي يبقى بعد «الأوثان»؟

في نهاية المطاف، ربما لا تكون القضية الأساسية هي ما إذا كان عبد الحق كلاب قد أصاب في كل أطروحاته أو أخطأ في بعضها.

القضية الأهم هي ما إذا كان النقاش الذي فتحه قادراً على تجاوز شخصه وكتابه.

فإذا كان التاريخ مجالاً للبحث، فإن أي رواية، مهما بلغت مكانتها، يجب أن تبقى قابلة للفحص. وإذا كانت الهوية قوية فعلاً، فلا ينبغي أن تخاف من الأسئلة. وإذا كان الباحث مخطئاً، فإن أفضل طريقة لإثبات ذلك ليست مهاجمته، وإنما تقديم الأدلة التي تكشف الخطأ.

عبد الحق كلاب، بهذا المعنى، لا يقدم نفسه فقط باعتباره صاحب كتاب. إنه يقدم نموذجاً لباحث اختار أن يتعامل مع الماضي باعتباره سؤالاً مفتوحاً، وأن يضع بعض المسلمات تحت ضوء النقد.

قد تكون بعض الأجوبة التي يقترحها قابلة للنقاش، وقد تحتاج أخرى إلى أدلة إضافية، وربما يختلف معه متخصصون في قراءة عدد من الملفات التي تناولها.

لكن شيئاً واحداً يبقى مؤكداً: حين يقرر باحث أن يفتح دفاتر التاريخ القديمة، فإنه لا يعيد فقط قراءة الماضي، بل يجعل الحاضر نفسه يعيد النظر في الطريقة التي يتذكر بها.

وربما لهذا السبب، فإن قصة عبد الحق كلاب لا تختصر في «أوثان السلفية».

الكتاب مجرد محطة.

أما الحكاية الحقيقية فهي حكاية رجل قرر أن يسأل سؤالاً بسيطاً في ظاهره، لكنه ثقيل في نتائجه: هل نعرف التاريخ كما وقع، أم كما تعودنا أن نرويه؟

NEWS LIK | روبورتري خاص

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى