علوم تكنولوجيا
أخر الأخبار

من سيول إلى داكار... ووسام من باريس: كيف وسّع العميد عبد اللطيف كداي إشعاع كلية علوم التربية؟

من رهانات التحول الرقمي المستلهمة من التجارب التعليمية الآسيوية، إلى تنظيم المنتدى العالمي الخامس للسوسيولوجيا بالرباط، وصولاً إلى إطلاق شبكة إفريقية لعلوم التربية وتكريم أكاديمي في باريس؛ يبرز مسار عبد اللطيف كداي، عميد كلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس، نموذجاً لتوسيع الحضور الدولي لمؤسسة جامعية متخصصة، وتحويلها من فضاء للتكوين الأكاديمي إلى منصة للتعاون العلمي وإنتاج المبادرات العابرة للحدود.

  الرباط  | بقلم: محمد جواد سيفاو

في الخامس من مارس 2026، وقف سفير كوريا الجنوبية لدى المغرب، يونجان يون، في ردهة كلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط. لم يكن الزيارة بروتوكولية عابرة. كان البحث يدور حول إيفاد متطوعين كوريين إلى الكلية لدعم التربية الفنية والأنشطة الرياضية وتوظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم . المشهد يبدو غريباً في ظاهره: لماذا تهتم سيول بكلية تربية مغربية إلى هذا الحد؟

الجواب لا يكمن في الكلية وحدها، بل في الرجل الذي يديرها منذ أواخر 2019. عبد اللطيف كداي، عميد كلية علوم التربية، لم يبنِ إمبراطوريته الأكاديمية بالضجيج، بل بتراكم الشراكات الذكية في اتجاهات متعددة، حتى صارت الكلية نقطة التقاء بين سيول وداكار وباريس وبرلين. هذا ليس مبالغة تحريرية، بل قراءة في مسار موثق يمكن تتبعه عبر إنجازاته المتتالية.

من سيول: شراكة غير متوقعة

الزيارة الكورية لم تكن حدثاً معزولاً. في سياقها، كشفت الكلية عن رغبة في استقطاب خبرات كوريا الجنوبية في مجالات باتت مركزية في النقاش التربوي العالمي: الذكاء الاصطناعي التربوي، والتربية الفنية، والرياضة المدرسية . المغرب، بجامعاته العمومية، نادراً ما يظهر في خرائط التعاون الآسيوي بهذا الوضوح. لكن كداي لم ينتظر أن تأتي العروض إليه. هو من فتح القناة، ومنح الكلية موقعاً في أجندة دبلوماسية تعليمية تتجاوز العلاقات التقليدية مع أوروبا والشرق الأوسط.من المنتدى العالمي للسوسيولوجيا إلى شبكة إفريقية لعلوم التربية والتكريم في باريس، يرصد هذا البروفايل مسار عبد اللطيف كداي في توسيع الحضور الأكاديمي لكلية علوم التربية بالرباط

إلى داكار: بناء عمق إفريقي

بعد أقل من أسبوعين على زيارة السفير الكوري، وفي 16 فبراير 2026، وقّع كداي على بروتوكول اتفاقية لإحداث “الشبكة الإفريقية لعلوم التربية” (RASED). الأطراف: كليته في الرباط، والمدرسة العليا للتعليم بنواكشوط، وكلية العلوم وتقنيات التربية والتكوين بجامعة الشيخ أنتا ديوب في السنغال . التبرير الذي قدمه كداي كان صريحاً: التحديات التربوية في القارة متقاسمة، من جودة التكوين إلى تأهيل الموارد البشرية، والحلول لا بد أن تكون إفريقية المنشأ والتداول .

هذه الخطوة ليست مجرد توقيع على ورق. إنها إعادة تموضع: من كلية تستورد النماذج التربوية، إلى مؤسسة تساهم في صياغة أجندة بحثية إفريقية مشتركة. وقبل ذلك، في أكتوبر 2025، كان كداي في باريس، حيث منح وسام الاستحقاق خلال “أسبوع إفريقيا للحلول” (SAS 2025)، تقديراً لمساره الأكاديمي وإسهاماته في التعليم والبحث في إفريقيا . باريس كرّمته كفاعل إفريقي، لا كأكاديمي مغربي فقط.

ووسام من باريس: الاعتراف الذي يسبق الأثر

التكريم الفرنسي، رغم رمزيته، يحمل دلالة لا يمكن تجاهلها. في أكتوبر 2025، وخلال افتتاح الدورة الثالثة من “أسبوع إفريقيا للحلول”، مُنح كداي ميدالية الاستحقاق. البلاغات التي أعقبت التكريم تحدثت عن “مسار أكاديمي وإنساني غني”، وعن “حضور الكفاءات المغربية في المحافل الدولية” . لكن الأهم من التكريم نفسه هو ما سبقه وما تلاه: المنتدى العالمي الخامس لعلم الاجتماع في الرباط (يوليوز 2025)، الذي جمع نحو سبعة آلاف باحث من حوالي 120 دولة . حدث بهذا الحجم لا ينظمه عميد كلية تربية إلا إذا كانت لديه شبكة علاقات تتجاوز حدود تخصصه الضيق.

من المنتدى العالمي للسوسيولوجيا إلى شبكة إفريقية لعلوم التربية والتكريم في باريس، يرصد هذا البروفايل مسار عبد اللطيف كداي في توسيع الحضور الأكاديمي لكلية علوم التربية بالرباط.

ما وراء العناوين: هل تكفي الشراكات لبناء “إمبراطورية”؟

هنا يفرض السؤال نفسه: كل هذه الاتفاقيات والزيارات والتكريمات، ما أثرها الفعلي على الطالب المغربي؟ المصادر الرسمية للكلية توثق التوقيعات واللقاءات، لكنها لا تقدم بعدُ معطيات عن أثر هذه الشراكات على المناهج أو على تجربة الطلبة اليومية. شهادة جامعية في التربية ثنائية اللغة للصم ولغة الإشارة، أُعلنت في نوفمبر 2024، تشكل مؤشراً على أن التحول ليس دبلوماسياً فقط. لكن الحكم النهائي على “الإمبراطورية” التي يتحدث عنها العنوان يبقى رهيناً بما سيصل إلى الفصول، لا إلى قاعات الاجتماعات.

كداي نفسه، في كلمته بعد تكريم باريس، قال إن التكريم “يخص كل من يؤمن بأن التعليم هو أعظم وعد يمكن أن يُقدَّم للمستقبل” . العبارة دبلوماسية بامتياز. لكن قراءتها في سياق مساره توحي بأن الرجل يدرك أن الاعتراف الدولي ليس غاية، بل وسيلة لتراكم رأس مال رمزي يمكن تحويله لاحقاً إلى موارد ومشاريع. السؤال الذي لم يجب عنه بعد: هل هذا التحويل يحدث فعلاً، أم أن العناوين تسبق الأثر؟

 إمبراطورية أم ورش؟

“الإمبراطورية” في العنوان مجاز تحريري، لكنه مجاز له ما يبرره. فمن سيول إلى داكار، ومن باريس إلى برلين، نجح كداي في وضع كلية كانت تُعرَف بالهدوء الأكاديمي على خريطة التعاون الدولي في علوم التربية. هذا إنجاز لا ينكره إلا مكابر. لكن الإمبراطوريات الحقيقية لا تُقاس بعدد الاتفاقيات، بل بما تغيّره في حياة الناس. كلية علوم التربية، تحت إدارته، اختارت أن تكون ورشاً مفتوحاً. والورش، بطبيعته، لا يكتمل بين ليلة وضحاها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى