سياسة
أخر الأخبار

الأمازيغية تحت قبة البرلمان.. حين يصبح الإنصاف اللغوي موضع اتهام

حين يصبح تمويل تفعيل لغة رسمية موضع مساءلة سياسية، يطرح النقاش البرلماني سؤالاً أعمق: هل يتعلق الأمر برقابة مشروعة على المال العام، أم بإعادة إنتاج تصور يجعل إنصاف الأمازيغية عبئاً بدل اعتباره التزاماً دستورياً؟

تحول البرلمان المغربي مؤخراً إلى ساحة مواجهة مكشوفة، لم تعد تقتصر على التدافع السياسي التقليدي، بل تعدته لتكشف عن عمق الممارسات الإقصائية التي ما زالت تعشش في عقليات بعض النخب السياسية تجاه الأمازيغية، اللغة والهوية الأصيلة لهذا الوطن. هذا الانفجار اللفظي والأيديولوجي تحت قبة المؤسسة التشريعية أعاد إلى الواجهة سؤالاً حارقاً ومقلقاً: إلى متى ستظل الأمازيغية، رغم دسترتها منذ سنة 2011 كلغة رسمية للمملكة، عرضة للمزايدات والمقاومة الشرسة من طرف تيارات تحن إلى زمن الأحادية اللغوية والإقصاء الثقافي؟
واندلعت شرارة هذا البركان الهوياتي عقب المداخلة النارية والمستفزة للنائب البرلماني عمر محمود بنجلون (عن مجموعة تحالف اليسار) خلال مناقشة البرنامج الحكومي، حيث وجّه مدفعيته الثقيلة بشكل مباشر ومجحف نحو الاعتمادات المالية المخصصة للأمازيغية، والتي بلغت ملياري درهم لتفعيل طابعها الرسمي. وبدلاً من دعم هذا الورش الوطني الاستراتيجي الذي انتظره المغاربة لعقود، اختزل المتحدث الهوية المغربية بنبرة إقصائية قائلاً: “لغتنا الرسمية، ألا وهي اللغة العربية”، مصوراً الميزانية المخصصة للنهوض بالأمازيغية كـ “عبء مالي” أو هدر للمال العام، في محاولة واضحة لتقزيم حق دستوري وإنساني أصيل، وتحويله إلى ورقة تصفية حسابات سياسية ضيقة على حساب المكون الأساسي للهوية الوطنية.
ولم تقف الصدمة عند حدود التشكيك في تمويل ورش الأمازيغية، بل بلغت الإثارة الأيديولوجية ذروتها في جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب، لتكشف عن نزوع حقيقي نحو الهيمنة اللغوية ورفض التعدد. فحين اعتلى النائب عبد العزيز أبا منصة التسيير متحدثاً باللغة الحسانية (المكون اللغوي الصحراوي الأصيل)، انتفض النائب بنجلون مجدداً ليعترض على إدارة الجلسة، مطلقاً عبارة خطيرة وصادمة أثارت غضب المغاربة: «ياك ما البرلمان ديال شي دولة جارة؟». هذا التهكم الصريح لا يضرب فقط عرض الحائط بالفصل الخامس من الدستور، بل يعكس جهلاً مرعباً بروافد الهوية المغربية، ويؤكد أن الدفاع عن الأمازيغية والحسانية اليوم لم يعد مجرد ترف ثقافي، بل معركة وجودية ضد الفكر الإقصائي الذي يحاول بتر موروث المغاربة وتاريخهم.
أمام هذا القصف الهوياتي الممنهج، انتفضت الحركة الأمازيغية وفعاليات المجتمع المدني، وعلى رأسها منظمة “أكراو من أجل الأمازيغية”، لإدانة هذا الخطاب الذي يفوح برائحة النزعة الشوفينية والكراهية الثقافية. وأكد المدافعون عن الأمازيغية في بيانات نارية أن الحقوق اللغوية والثقافية ليست مكرمة أو صدقة تجود بها الحكومات، بل هي التزام دستوري ومؤسساتي ملزم للدولة. إن تخصيص ميزانيات لدعم الأمازيغية ليس هدرًا، بل هو استثمار متأخر جداً لإنصاف ملايين المغاربة، وتدارك عقود من التهميش الممنهج الذي طال هذه اللغة في التعليم، والإعلام، والإدارة، والمحاكم.
إن هذا التراشق البرلماني الخطير يدق ناقوس الخطر ويعري الواقع المر: الأمازيغية ما زالت تعيش في خندق المقاومة ضد “لوبي” يرفض النزول من برج التعريب الإقصائي. وإن التباطؤ المستمر في تنزيل القوانين التنظيمية، والتشكيك في الميزانيات المرصودة لها، ومحاولات تقزيم نسب الناطقين بها في الإحصاءات الرسمية، كلها مؤشرات تؤكد أن المعركة لم تنتهِ بعد. لقد حان الوقت للمرور من مرحلة “الاعتراف الشكلي” على الأوراق إلى مرحلة “التمكين الفعلي والمؤسساتي الشامل”، لأن كرامة الأمازيغية ولغتها هي جزء لا يتجزأ من كرامة المغرب والمغاربة، وأي تراجع عنها هو طعنة في قلب التماسك المجتمعي والسلم المشترك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى