علوم تكنولوجيا
أخر الأخبار

محمد الفايد.. حين تتحول المشاهدات إلى سلطة معرفية

حين يتحول عدد المشاهدات إلى تفويض معرفي: قراءة سوسيولوجية في جدل تجاوز صاحبه

 تحليل / مجتمع ورقميات 

لم يعد اسم محمد الفايد مجرد اسم عابر في سجل الشخصيات المغربية المثيرة للجدل. فمنذ أواخر غشت 2026، أعادت تدوينة له حول مفهوم «أمية الرسول» فتح ملف يتجاوز مضمون التدوينة ذاتها، ليتحول إلى مرآة تكشف شيئًا أعمق عن المجتمع المغربي والعربي: من يمنح الشرعية للمعرفة؟ ومن يملك حق التفسير في مجال بالغ الحساسية؟ ولماذا يستطيع شخص بدأ حضوره العمومي من بوابة التغذية أن ينتقل، عبر الشاشة، إلى الحديث في مجالات لا تدخل في تخصصه؟

السؤال الحقيقي ليس: ماذا قال الفايد؟

السؤال الأكثر إزعاجًا هو: كيف أصبح ممكنًا أن يتحول عدد المشاهدات إلى شكل من أشكال التفويض المعرفي؟

هذه هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها التحليل. فالفايد ليس ظاهرة فردية بالمعنى السوسيولوجي، بل نتيجة لبنية اجتماعية وإعلامية سمحت لشخصية واحدة بتجاوز الحدود التقليدية للتخصص، والانتقال من سلطة مستمدة جزئيًا من صورتها كمتخصص في التغذية إلى سلطة أوسع لا تستمد مشروعيتها من التخصص في كل مجال تتحدث فيه، وإنما من التراكم الرقمي للحضور، ومن الثقة الشخصية، ومن القدرة على جذب الانتباه.

إننا أمام انتقال في مفهوم السلطة المعرفية: من المؤسسة التي تقول «نعرف» إلى الشخص الذي يقول «أنا أعرف». والفرق بين العبارتين ليس لغويًا، بل في بنية السلطة نفسها.

ما وقع فعلًا: من تدوينة إلى مسار مؤسساتي وقضائي

قبل التحليل، يلزم تثبيت الوقائع بدقة، لأن هذا الملف انتشر مشحونًا بالانفعال أكثر مما انتشر موثقًا.

انتقل الجدل من منصات التواصل إلى مستوى الفتوى والخطاب الديني، بعدما وصف الشيخ الموريتاني محمد الحسن ولد الددو ما ورد في التدوينة بعبارة تكفيرية، داعيًا إلى إحالة الملف على المجلس العلمي الأعلى والسلطات القضائية، فيما دعا الحسن الكتاني إلى تحرك شعبي وطالب كل من عمر القزابري وعبد الحفيظ دفور بتدخل الجهات المختصة. (الجريدة / Maroc4) — وتسجل NEWS LIK هنا أن التكفير ودعوات التحريض ليست موقفًا صحفيًا تتبناه، بل واقعة تُنقل ضمن سياق تصاعد النقاش.

وفي المقابل، انتقد وزير العدل السابق مصطفى الرميد أسلوب الفايد و«الخوض في الدين بغير علم»، لكنه رجّح أن يكون قد قصد معنى آخر لكلمة «أمي»، واعتبر توضيحه اللاحق قريبًا من الاعتذار، داعيًا إلى طي الموضوع. (tanja7)

وعلى المستوى القضائي، تقدمت هيئات حقوقية بشكايات تلتمس فتح بحث؛ إحداها لدى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بتطوان، وأخرى مؤرخة في 3 شتنبر 2026 لدى رئاسة النيابة العامة لدى محكمة النقض. (العمق / أخبارنا) — وتختلف المصادر في تسمية الجمعية المعنية، كما أن الشكاية إجراء يفتح مسطرة البحث ولا يشكل متابعة ولا إدانة، ولم يصدر إلى حدود إعداد هذا المقال ما يفيد بصدور قرار قضائي في الموضوع. وتنطبق قرينة البراءة كاملة.

أما المؤسسة الدينية الرسمية، فقد اختارت طريقًا مغايرًا للمواجهة المباشرة: نشر المجلس العلمي الأعلى ووزارة الأوقاف نص الخطبة الموحدة ليوم الجمعة 4 شتنبر 2026 تحت عنوان «الرسول ﷺ مربيًا ومعلمًا»، متضمنًا التأكيد الصريح على المعنى المستقر للأمية، دون أي إشارة إلى الفايد أو إلى السجال، ومقدّمًا موضوع الخطبة في إطار الاحتفاء بالمولد النبوي وبداية الموسم الدراسي. (العمق)

وهذه التفصيلة الأخيرة أهم مما تبدو: المؤسسة أعادت تثبيت موقعها دون أن تمنح الشخص شرعية الخصومة معها. وهو بالضبط ما تعجز عنه المنصات الرقمية.

حين تصبح الشاشة مؤسسة بديلة

كانت المعرفة الحديثة تقوم على آليات واضحة نسبيًا للشرعنة: الجامعة، المختبر، المؤسسة الدينية، النقابة المهنية، التحكيم الأكاديمي. لكن المنصات أعادت ترتيب هذه العلاقة، إذ لم يعد الوصول إلى الجمهور مشروطًا بالمرور عبر بوابات المؤسسة. يستطيع الفرد اليوم أن يبني جمهوره بنفسه، وأن يحصل تدريجيًا على ما يمكن تسميته الشرعية التفاعلية.

وهنا تظهر المفارقة: عدد المتابعين لا يثبت صحة الفكرة، وكثرة المشاهدات لا تمنح اختصاصًا جديدًا، والانتشار لا يتحول تلقائيًا إلى معرفة. لكن الخوارزمية لا تعرف هذه الفروق. إنها تعرف شيئًا واحدًا: ما الذي يجعل المستخدم يتوقف ويعلق ويشارك.

إن المنصة لا تسأل المتحدث: هل أنت متخصص؟ إنها تسأله ضمنيًا: هل تستطيع أن تجعل الناس يتفاعلون؟

الكاريزما حين تتحول إلى رأسمال معرفي

ميّز ماكس فيبر بين أنماط من السلطة، من بينها السلطة الكاريزمية القائمة على اعتقاد الأتباع بامتلاك شخص صفات استثنائية. وفي العصر الرقمي حدث شيء جديد: أصبحت الكاريزما قابلة للتصنيع والتكرار والقياس.

الصورة تتكرر، والعبارة الصادمة تتكرر، والمقطع ينتشر، والخصوم يردون، والرد يولد مقاطع جديدة، والمقاطع تزيد الحضور. وهكذا تدخل الشخصية في حلقة تغذية راجعة يصعب فصلها عن منطق المنصة نفسها. الخصومة تصبح وقودًا، والنقد يصبح إعلانًا مجانيًا.

ولهذا الملاحظة ليست انطباعية فقط. فقد وجدت دراسة نشرتها PNAS سنة 2021، بتحليل أزيد من 2,7 مليون منشور، أن المضامين التي تستهدف «الجماعة الخصم» تُشارَك بنحو ضعف ما تُشارَك به المضامين الموجهة إلى جماعة المنتمي نفسه، وأن هذا العامل كان أقوى من متغيرات أخرى مثل اللغة الانفعالية. (Rathje, Van Bavel & van der Linden, PNAS 2021)

بلغة أخرى: قد يكون خصوم الشخصية جزءًا من آلة انتشارها أكثر من أنصارها.

الفقاعة ليست جمهورًا من السذج

من المريح جدًا وصف أنصار أي شخصية مثيرة للجدل بأنهم «جهلة». لكن هذا التفسير ضعيف سوسيولوجيًا. الجمهور لا يدخل الفقاعة لأنه غبي، بل لأنه يبحث عن شيء: عن تفسير، عن يقين، عن لغة يفهمها، عن إجابة لا تتطلب قراءة عشر دراسات، عن شخصية يشعر أنها تشبهه.

وهنا تصبح المسألة أزمة مؤسسات أيضًا. حين تفشل المؤسسة العلمية في شرح المعرفة بلغة المجتمع تترك فراغًا، وحين يصبح الإعلام التقليدي بطيئًا أمام فيديو مدته دقيقة تملأ المنصة الفراغ. والفراغ المعرفي لا يبقى فارغًا؛ يدخله الأقدر على ملئه، لا الأكثر اختصاصًا.

من أزمة الخبراء إلى «الخبير الكلي»

بنت المعرفة الحديثة قوتها على التخصص. الطبيب لا يصبح عالم اجتماع بشهادة الطب، وعالم التغذية لا يصبح تلقائيًا فقيهًا أو مؤرخًا. لكن الجمهور الرقمي يتعامل مع الشخص أحيانًا كوحدة معرفية واحدة: إذا أقنعني في مجال، صار أسهل نفسيًا أن أصدقه في مجال آخر.

هذه آلية يمكن تسميتها انتقال الثقة بين المجالات: نجاح في مجال «أ» يتحول إلى رصيد رمزي يسمح بالحديث في «ب» ثم «ج». هكذا يولد «الخبير الكلي». والمشكلة ليست أن الشخص يتحدث، بل أن تختفي الحدود بين الرأي الشخصي والخبرة المهنية والمعرفة العلمية والتأويل الديني.

الدين ليس مجالًا معرفيًا آخر

حين تدخل الشخصية الكاريزمية المجال الديني تتغير قواعد اللعبة، لأن الدين مشحون بالهوية والانتماء والذاكرة الجماعية. ولهذا لم يبقَ الجدل نقاشًا لغويًا حول معنى مصطلح، بل انتقل بسرعة إلى نزاع حول الحدود بين حرية التفكير واحترام المقدسات وسلطة الفرد في التأويل، ثم إلى القضاء.

وهنا ينتقل السؤال من سوسيولوجيا المعرفة إلى سوسيولوجيا السلطة: من يقرر حدود المقبول؟ المؤسسة الدينية؟ القانون؟ الجمهور؟ المنصة؟ أم الشخصية نفسها حين تمتلك ملايين العيون خلف الشاشة؟

الخوارزمية لا تبحث عن الحقيقة

هذه ربما الجملة التي ينبغي أن تُكتب بأحرف كبيرة في دراسة أي ظاهرة مشابهة. الخوارزمية تبحث عن مؤشرات السلوك، لا عن الصحة. والشخص الذي يقول «الأمر معقد ويحتاج مراجعة الأدلة» يملك جملة أقل إثارة من الذي يقول «أنا أعرف الحقيقة». الأول يقدم معرفة، والثاني يقدم قصة. والمنصة تحب القصص.

لكن تحميل المنصات وحدها المسؤولية خطأ. فأزمة الثقة لم تُصنع كلها في فيسبوك أو يوتيوب. هناك أزمة أسبق: أزمة علاقة بين المؤسسات وجمهورها. والسلطة اليوم موزعة بين مؤسسات وشخصيات ومنصات وخوارزميات وجماعات رقمية.

من «الفايد» إلى نمط اتصالي

إذا كانت الظاهرة مرتبطة بشخص، فستنتهي بانتهائه. أما إذا كانت مرتبطة ببنية، فستنتج نسخًا جديدة. ويمكن الحديث تحليليًا عن نموذج يقوم على أربعة عناصر: شخصية ذات حضور قوي، ثقة جماهيرية تتجاوز حدود التخصص، خطاب قطعي يختزل التعقيد، ومنصة تكافئ التفاعل. عندما تجتمع هذه العناصر، يصبح ظهور شخصية مماثلة مسألة وقت — وقد لا تأتي من التغذية، بل من الطب أو الاقتصاد أو السياسة.

الخطر ليس أن يخطئ المؤثر

الخطأ جزء من الطبيعة البشرية، وحتى المؤسسات تخطئ. الفرق أن النظام العلمي يفترض وجود آليات لاكتشاف الخطأ وتصحيحه. الخطر يبدأ حين تصبح الشخصية غير قابلة للتصحيح اجتماعيًا: حين يتحول كل نقد إلى حقد، وكل مخالفة إلى مؤامرة، وكل سؤال إلى عداء. عندها لا تعود المشكلة في المعلومة، بل في النظام المناعي للجماعة التي تحيط بها.

وحتى لو تراجعت شعبية شخصية ما، فإن الفقاعة تترك أثرًا: قد يكون فقدان الثقة في العلم، أو في المؤسسة الدينية، أو في الإعلام، أو — وهو الأخطر — في فكرة الحقيقة نفسها. فمن يكتشف أن من وثق به كان مخطئًا لا ينتقل بالضرورة إلى المؤسسة العلمية؛ قد ينتقل إلى مؤثر آخر.

الخلاصة

لم تعد المعرفة موزعة بين مؤسسات تنتجها وجمهور يستهلكها. أصبح الجمهور طرفًا في إنتاج الشرعية، والمنصة وسيطًا للسلطة، والشخصية مؤسسة، والخوارزمية محررًا لا يقرأ كتابًا واحدًا.

هذه ليست نهاية المعرفة، لكنها نهاية احتكارها من طرف واحد. والمعركة المقبلة لن تكون بين شخص وخصومه، بل بين معرفة تحتاج وقتًا لإثبات نفسها ومحتوى يحتاج ثوانٍ لإثارة الجمهور؛ بين المؤسسة التي تقول «دعونا نتحقق» والشخصية التي تقول «لديّ الجواب».

وقد يختفي اسم من واجهة المشهد يومًا. لكن إذا بقيت البنية التي صنعته، فسيظهر آخر. ولن يكون السؤال عندها: من هو البديل؟ بل: لماذا أصبح المجتمع يحتاج إليه أصلًا؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى