الرأي
أخر الأخبار

ذ.نور الدين بادي يكتب : نحو سينما تربوية مؤثرة في الفعل التربوي

من مشاهدة الفيلم إلى بناء التعلم: كيف يمكن للسينما أن تتحول من أداة للفرجة إلى رافعة تربوية مؤثرة؟

ارتبطت ثنائية التربية والإبداع بجدلية فكرية مجتمعية متجذرة في القدم، فالأولى تفعل فعلتها في الإبداع، وهو يؤثر فيها. يؤثر أحدهما في الآخر، إما قصدا أو عن غير قصد. فإذا كان “الولد سر أبيه” فإن المبدع سر تربيته المستمدة من بيئته الطبيعية، الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية، تربية تؤثر فيه فتشكل معالم شخصيته وترسم له آفاق وحدود إبداعه، فيسعى من خلال فنه إلى التأثير فيها هو أيضا، إما تأثير المنبهر والمفتون بها أو تأثير المنتقد الطامح إلى التغيير وفق تصوراته ورؤاه الإبداعية.
السينما، باعتبارها حقلا من حقول الإبداع، لن تشكل استثناء ولن تحيد عن هذا المنهج، فهي المتأثرة بالتربية ومؤسساتها والمؤثرة فيها وما تزال.

فما هي حدود هذا التأثير المتبادل؟ وما هي تجلياته وتمظهراته؟ وما آفاق الحديث عن مؤسسات تربوية تحضن الفن السابع وتوفر له شروط الانطلاق نحو عوالم الإبداع الهادف؟

مكنت الثورة التكنولوجية التي شهدها العالم، وإلى أمد قريب، الصورة، المتحركة منها بالخصوص، من أن تصبح الأداة الأكثر تأثيرا في متلقيها ومستقبليها. وقد ذهب كثير من المربين المهتمين بعالم الصورة إلى التأكيد على أن أكثر خبرات الفرد تتشكل انطلاقا من ما تستقبله عيناه من صور، بل إن غالبية المعارف التي نكتسبها إنما نكتسبها عن طريق حاستي البصر والسمع فنخزنها لتشكل جزءا من رصيدنا الثقافي والوجداني والقيمي، تساهم فيما بعد في رسم بعض معالم سلوكياتنا ووعينا وإدراكنا للأشياء من حولنا.. فالحواس نوافذ العقل كما تقول (ماريا مونتيسوري).

إن المؤسسات التعليمية، باعتبارها الفضاء التربوي الأبرز، تجد نفسها اليوم أكثر من أي وقت مضى، مطالبة ببسط اليد نحو السينما واستثمار الإيجابي من ثقافة السمعي البصري في تنمية قدرات روادها المعرفية والمهاراتية والوجدانية. فالفيلم التربوي باعتباره مادة السينما التربوية ورأسمالها الأبرز، يمكن أن يكون حاملا ديداكتيكيا يسمح بإثارة ظواهر مختلفة (اجتماعية، قيمية، أخلاقية…) وتناولها في وضعيات تربوية تعليميةن داخل فصولنا الدراسية ، تروم التأثير إيجابا في سلوكيات ونمط تفكير متلقيها وتنمية قدراته العقلية لتنطلق إبداعا وتفكيرا وإدراكا وسلوكا… و لعل اشتغال السينما التربوية بالمداخل الأساسية للمنهاج الدراسي المغربي، سيعزز لا محالة، فرص كسب رهان الإصلاح التربوي المنشود داخل المؤسسات التعليمية الوطنية وسيضمن لروادها توافقا سيكولوجيا يؤسس للإقبال على التعلم ويعزز من فرص النجاح …

الأكيد أنه مثلما يمكن للسينما أن تؤثر إيجابا في التربية، فالمؤسسات التعليمية أيضا بإمكانها التأثير في السينما. فالنظام التعليمي الذي سيخدم الفن السابع على المدى المتوسط والبعيد وسيصنع، إلى جانب الكاتب المبدع الحر المفكر، الفنان المتذوق الصادق الرسالي و الناقد الواعي المستبصر الهادف والمتلقي المتذوق المحصن ضد الاستلاب والانحلال بشتى تجلياتهما و هو ما سيضمن لا محالة استمرار السينما كفن مجتمعي…

إن الحديث عن سينما تربوية مؤثرة في الفرد، تنطلق من المؤسسات التعليمية وتخدم غاياتها التربوية المجتمعية، رهين بتوفير شروط ثلاث:
 إرادة قوية لدى الجهات المسؤولة عن قطاع التعليم، إرادة نابعة من قناعة راسخة بأهمية السينما التربوية في خدمة الإصلاح التربوي، مقرونة بالعمل على توفير شروط الإبداع… تشجيعا لباقي الفاعلين التربويين والاجتماعيين للانخراط الإيجابي والفعلي في أنشطة النواد السينمائية بالمؤسسات التعليمية.
 رأسمال بشري مؤطر ومكون من خلال دورات تكوينية في كل مجالات الفعل السينمائي (الكتابة السيناريستية، الإخراج ….)
 إمكانيات مادية لوجيستيكية تترجم واقعا الإرادة وتتيح فرص الإبداع.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى