مليون عين لا تصنع نفوذاً: سوسيولوجيا المسافة بين الشهرة والاعتراف
في زمن تُقاس فيه الشهرة بالمشاهدات والمتابعين، لا يكفي أن يراك كثيرون؛ فالسؤال الحاسم هو: من يراك، وماذا يستطيع أن يفعل بما رآه؟
الرأي|News Lik
في العقود التي شهدت ولادة الإنترنت ثم وسائل التواصل، هيمن على الخطاب الإعلامي سؤال كمّي: كم مشاهد؟ كم متابع؟ كم تفاعل؟ لكن هذا السؤال، رغم هيمنته، يُخفي مشكلة أعمق: فالمشاهدة بحد ذاتها ليست وعياً، والانتباه ليس ثقة، والانتشار ليس سلطة.
والسؤال الذي يعيد تشكيل خريطة النفوذ اليوم ليس «كم شخصاً رآك؟»، بل سؤالان متلازمان: من يراك؟ وماذا يستطيع أن يفعل بما رآه؟
هذا الانتقال من اقتصاد الانتباه إلى ما يمكن تسميته اقتصاد التحويل هو ما يفصل بين الضجيج العابر والسلطة الرمزية الدائمة.
أولاً: وهم الانتشار الكمي وسلسلة الانقطاع
الخلط الأكثر شيوعاً، لدى المؤسسات والأفراد على حد سواء، هو التعامل مع خمسة مستويات متدرّجة وكأنها مستوى واحد: الوصول، الانتباه، الثقة، التأثير، النفوذ. والانتقال من كل مستوى إلى الذي يليه ليس تلقائياً.
قد يصل المحتوى إلى مليون شخص ويمرّ عليهم مرور الكرام. وقد يلفت انتباه مئات الآلاف دون أن يمنحوه ثقتهم، فيُستهلك ثم يُنسى. وقد يثق به بعضهم لكنهم يفتقرون إلى القدرة على تحويل ما رأوه إلى قرار. وقد يحدث تأثير لحظي يتلاشى دون أن يغيّر سلوكاً راسخاً أو علاقة قوة قائمة.
النفوذ الحقيقي يبدأ حيث تنتهي هذه السلسلة، ويبدأ الفعل.
وفكرة أن الظهور ليس معطى محايداً بل شيء يُبنى ويُوزَّع ليست جديدة على العلوم الاجتماعية. فقد جرى تأسيس الظهور بوصفه مقولة سوسيولوجية كاملة الأهلية، تُدرس فيها عتباته وشروطه وعلاقته بالاعتراف (Brighenti, 2007).
ثانياً: حالتان تجعلان الفكرة مرئية
الأفكار المجرّدة تحتاج أحياناً إلى أن تُرى لا أن تُفهم فقط. والحالتان التاليتان لا تُثبتان أطروحة هذا المقال، لكنهما تجعلان المسافة بين الظهور والاعتراف ملموسة.
الحالة الأولى: جمهور ضخم لا يتحوّل. في ماي 2019، تناقلت مواقع إخبارية دولية خبراً عن مؤثرة أمريكية شابة تملك نحو 2.6 مليون متابع على إنستغرام، أعلنت أن مشروع ملابسها توقّف لأنها لم تتمكن من بيع الحدّ الأدنى المطلوب لإطلاق أول دفعة. الرقم الذي عجزت عن بلوغه كان 36 قطعة (BuzzFeed News، Fox News).
وينبغي التعامل مع هذه الحالة بحذر: فهي تتعلق بالتحويل التجاري لا بالاعتراف الرمزي، وتفاصيلها نُقلت عن منشور حُذف لاحقاً. لكنها صارت في نقاش قطاع التسويق الرقمي حكاية تلخّص مبدأ واحداً: الجمهور الكبير ليس بالضرورة جمهوراً قابلاً للتحويل.
الحالة الثانية: جمهور صغير يتحوّل. سنة 2012 بدأ بريطاني اسمه إليوت هيغينز (Eliot Higgins) مدونة باسم مستعار هو «Brown Moses»، يحلّل فيها مقاطع فيديو من الحرب السورية ليحدّد أنواع الأسلحة المستعملة (Eliot Higgins — Wikipedia). جمهوره الأول لم يكن جماهيرياً بأي معنى: باحثون، صحفيون، محللو تسلّح، عاملون في منظمات حقوقية. جمهور صغير عدداً، لكن أفراده يملكون أهلية الاعتراف داخل مجالات محددة.
ما جرى بعد ذلك موثّق: تحوّلت المدونة إلى منصة «Bellingcat»، وحصلت أعمالها على جوائز مهنية أوروبية بين 2015 و2019 (شهادة مكتوبة أمام لجنة برلمانية بريطانية)، وتقاطعت خلاصاتها بشأن إسقاط الطائرة الماليزية MH17 مع ما توصّل إليه فريق التحقيق المشترك بقيادة هولندية (Bellingcat)، وصار نقاش موثوقية التحقيق مفتوح المصادر يُطرح أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (Bellingcat).
الفارق بين المسارين ليس في «الجدية» وحدها. مدونة هيغينز الأولى لم تكن أكثر انتشاراً من حساب المؤثرة، بل أقلّ بكثير. الفارق أن جمهوره الصغير كان مركّباً بطريقة تسمح بتحويل الانتباه إلى شرعية، بينما لم يكن الجمهور الكبير كذلك.
ثالثاً: بورديو ومن يملك مفتاح الاعتراف
هنا يصير مفهوم عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (Pierre Bourdieu) عن «الرأسمال الرمزي» أداة تفسير لا زينة نظرية.
الرأسمال الرمزي عنده ليس نوعاً خامساً من الرصيد يُضاف إلى المال والشهادة والعلاقات، بل هو ما تصير إليه هذه الأرصدة حين يُنظر إليها داخل حقل اجتماعي معيّن بوصفها مشروعة. أي أنه ليس ملكية بقدر ما هو حالة إدراك واعتراف (Pierre Bourdieu, «Language and Symbolic Power», Harvard University Press, 1991).
شهادة الطبيب ليست رأسمالاً رمزياً في ذاتها؛ تصير كذلك لأن حقلاً مهنياً بمعاييره وإجازاته يعترف بها ويرتّب عليها أثراً.
والنتيجة التي يترتب على هذا نادراً ما تُقال بصراحة: المتابعون لا يمنحونك رأسمالاً رمزياً. أهل الحقل هم من يمنحونه — النقاد، الزملاء، المؤسسات، من تسري عليهم معايير ذلك الحقل وتُلزمهم.
ومن هنا فإن بلوغ جمهور لا تسري داخله معايير حقل بعينه لا ينتج رصيداً داخل ذلك الحقل، مهما بلغ عدده.
رابعاً: «الجمهور المهم» ليس النخبة وحدها
يُختزل النقاش حول «الجمهور النوعي» أحياناً في مقولة إن عشرة آلاف مدير تنفيذي أهم من مليون مستخدم عادي. وهذا تبسيط مخلّ.
فالتأثير الاجتماعي لا يتحرك من الأعلى إلى الأسفل فقط، بل أفقياً وأحياناً من الأسفل إلى الأعلى. الجمهور العريض، حين يكون منظماً أو متحفزاً، يصنع ضغطاً يفرض على الفاعلين المؤسسيين إعادة الحساب.
لذا فإن قيمة المتلقي لا تُقاس بموقعه الاجتماعي وحده، بل بعلاقته الشبكية، وقابليته للتحرك، وقدرته على جرّ آخرين معه. المؤثر الفعلي هو من يملك أعلى معدّل تحويل من الرؤية إلى الفعل، سواء كان مسؤولاً في مؤسسة أو ناشطاً في حيّ شعبي.
خامساً: أين تقف البنى التقنية؟ حدود ما نعرفه
لا يمكن مناقشة هذه الفجوة دون التطرق إلى دور أنظمة الترتيب والتوصية. وهنا لا بد من حدّ صريح بين ما تدعمه الأدبيات وما يبقى استنتاجاً، لأن الخلط بينهما هو ما يحوّل التحليل إلى ادعاء.
ما تدعمه الأدبيات: أن البنية الخوارزمية للمنصات تُنتج «نظام ظهور» يحدّد من يرى ماذا، لا حجم الوصول وحده، وأن الفاعلين يعيشون تحت ما سمّته الباحثة تاينا بوشر «تهديد اللامرئية» فيكيّفون سلوكهم معه (Bucher, 2012 — النص الكامل PDF). وقد وثّقت دراسات لاحقة كيف يتفاوض المنتجون مع هذه القواعد ويكيّفون إنتاجهم على أساس ما يتوقعونه منها (Cotter, 2019).
ما يبقى استنتاجاً تحليلياً: أن هذا التأثير يمتدّ إلى فرص حصول صاحب المحتوى على اعتراف داخل حقل مهني أو اجتماعي معيّن. هذه ليست نتيجة مثبتة، بل قراءة تربط بين نتيجتين من حقلين مختلفين، وتحتاج اختباراً.
بهذا التحفّظ تُطرح فرضية هذا المقال: قد لا تكتفي البنى المنصّاتية بالتأثير في حجم الظهور، بل قد تؤثر أيضاً في تركيبة الجمهور الذي يبلغه المحتوى، وبالتالي في احتمالات تحويل الانتباه إلى اعتراف.
ويسند هذه القراءة إطار تحليلي أوسع طوّره الباحث ميكل فليفربوم (Mikkel Flyverbom) حول «إدارة الظهور»، مفاده أن الشفافية نفسها ليست نافذة محايدة تكشف ما وراءها، بل وساطة تُدار من خلالها أشكال الظهور وتُوجَّه بها الأنظار (Flyverbom, The Digital Prism, Cambridge University Press, 2019؛ وانظر أيضاً Flyverbom, Christensen & Hansen, 2015).
ويجب التنبيه إلى أن الامتداد الذي تقترحه هذه الورقة — من إدارة الظهور إلى فرص الاعتراف — هو من بناء هذا المقال، لا مقولة منقولة عن فليفربوم أو غيره.
كذلك يُقرأ الانتقاء الآلي في الأدبيات بوصفه شكلاً من الحكامة يشارك في بناء ما نعتبره واقعاً، وهو خط بحثي طوّره الباحثان ناتاشا يوست وميشائيل لاتزر (Just & Latzer, «Governance by algorithms», Media, Culture & Society, 39(2), 2017, pp. 238–258)، وله امتداد منهجي أحدث ومتاح مجاناً (Latzer & Festic, 2019).
الخلاصة المنهجية هنا بسيطة: المقاييس الرقمية (المشاهدات) ومقاييس الاعتراف (الجوائز، المناصب، الاستشارات، الاستدعاء المرجعي) تعملان في سياقين مختلفين، وليس من الضروري أن يتقاطعا.
سادساً: ماذا يفعلون بما رأوه؟ ثلاثة مرشّحات
حتى لو اجتمع الجمهور النوعي، تبقى المشاهدة انطباعاً حسياً ما لم تمرّ بثلاثة مرشّحات. وأقدّم هذا التصنيف الثلاثي بوصفه أداة تحليلية مقترحة في هذا المقال، لا نموذجاً مستقراً في الأدبيات:
- الملاءمة: هل يتعلق هذا المحتوى بأمر يمسّ حياة المتلقي أو موقعه المهني بشكل مباشر؟
- الجدارة بالثقة: هل المصدر يملك سجلاً من المصداقية، أم هو عابر سبيل رقمي؟
- القدرة الذاتية المدركة: هل يملك المتلقي فعلياً — مادياً أو مؤسسياً — ترجمة هذه الرؤية إلى خطوة ملموسة؟
حين يتخلّف أحد هذه المرشّحات، تبقى المشاهدة في دائرة الاستهلاك المجاني: تُثري المنصة ولا تُثري صاحب الرسالة.
سابعاً: الوجه الآخر — الظهور بوصفه أداة
فهم «من يراك» ليس معرفة بريئة. إنه أيضاً أداة استهداف.
الاستهداف الدقيق للجمهور صار ممارسة راسخة في الاتصال السياسي والتسويق والعلاقات العامة: لا يُنشر الخطاب ليصل إلى الجميع، بل ليصل إلى فئة بعينها يُراهَن على قدرتها على تحويله إلى قرار.
والفارق بين النوعين من الاستهداف فارق في الأثر لا في الحجم: استهداف جمهور واسع قد يصنع موجة ليوم أو يومين؛ أما استهداف جمهور يملك مفاتيح التحويل فقد يعيد ترتيب موازين داخل حقل بأكمله.
وهذا بالذات ما يجعل السؤال عن «من يرى» سؤالاً في الديمقراطية لا في التسويق فقط.
ثامناً: سؤال مغربي مؤجَّل
لا أملك، ولا يملك أحد فيما أعلم، بيانات منشورة تسمح بالقول إن أنظمة الترتيب تفعل في المغرب شيئاً محدداً بعينه. وأي ادعاء من هذا النوع اليوم سيكون انطباعاً لا معرفة.
لكن غياب البيانات لا يمنع طرح السؤال. بل هو نفسه جزء من السؤال.
نحن أمام وضع له خاصية تستحق التفكير: أثر هذه البنى محلي تماماً، بينما تُحدَّد قواعدها التقنية والاقتصادية في فضاءات أخرى. ما يظهر لمواطن في سلا أو أكادير، وما لا يظهر له، يخضع لقرارات تصميم لم تُتَّخذ هنا ولا وفق معايير هذا المجال.
من يملك القدرة على التدقيق؟ لا نملك في المجال العمومي المغربي أدوات معلنة لفحص كيفية توزيع الظهور محلياً.
من يفسّر؟ حين يشعر فاعل أن حضوره تراجع، إلى من يتوجّه، وبأي لغة يصوغ شكواه، وأمام أي جهة؟
من يحاسب؟ وإذا كانت المسؤولية موزّعة بين قاعدة الترتيب وسلوك الجمهور وسياسة المنصة وسوق الإعلان، فهل يعني ذلك أنها اختفت؟
هنا يلزم حذر مضاعف. التوزّع ليس اختفاء — وهي مشكلة سمّتها أدبيات المسؤولية في النظم المحوسبة «مشكلة الأيدي الكثيرة» (Nissenbaum, 1996). لكن التوزّع غير متكافئ أيضاً: القول بأن الجميع مسؤول يعادل عملياً القول بأن لا أحد مسؤول، وهو قول يخدم من يملك الهامش الأوسع في التأثير. كما بيّنت أدبيات أخرى أن الشفافية وحدها لا تُنتج مساءلة، وأن رؤية النظام ليست معرفةً به (Ananny & Crawford, 2018).
الخلاصة: ما بعد عبادة العدّاد
آن الأوان لتغيير السؤال. لا: «كيف نحقق أعلى انتشار؟»، بل: «لمن نريد أن نصل تحديداً، وماذا نريد منهم أن يفعلوا بعد أن يروا؟»
فالشهرة أن يعرفك كثيرون. أما السلطة الرمزية فأن يعترف بك من يستطيع أن يفتح باباً.
وفي المرة القادمة التي ترى فيها محتوى ينتشر بسرعة مذهلة، أو تجد منشورك لا يصل حتى إلى أصدقائك، لا تسأل فقط: كم شخصاً رأى؟
اسأل: من رأى؟ وماذا يملك أن يفعل بما رآه؟
للاطلاع والتوسع
- Pierre Bourdieu, Language and Symbolic Power, Harvard University Press, 1991.
- Andrea Mubi Brighenti, “Visibility: A Category for the Social Sciences”, Current Sociology, 55(3), 2007 — رابط
- Taina Bucher, “Want to be on the top? Algorithmic power and the threat of invisibility on Facebook”, New Media & Society, 14(7), 2012 — رابط
- Kelley Cotter, “Playing the visibility game”, New Media & Society, 21(4), 2019 — رابط
- Mikkel Flyverbom, The Digital Prism: Transparency and Managed Visibility in a Datafied World, Cambridge University Press, 2019 — رابط
- Natascha Just & Michael Latzer, “Governance by algorithms”, Media, Culture & Society, 39(2), 2017 — وامتداده المنهجي المتاح مجاناً: Latzer & Festic, 2019
- Thomas Poell, David Nieborg & José van Dijck, “Platformisation”, Internet Policy Review, 8(4), 2019 — رابط
- Mike Ananny & Kate Crawford, “Seeing without knowing”, New Media & Society, 20(3), 2018 — رابط
- Helen Nissenbaum, “Accountability in a Computerized Society”, Science and Engineering Ethics, 2(1), 1996 — رابط
بقلم: محمد جواد (سيفاو)
صحفي مهني وباحث في سوسيولوجيا المجتمعات الرقمية تحليل | مجتمع وإعلام — NEWS LIK