عروش من غبار:سوسيولوجيا الفضيحة واقتصاد الانتباه في المغرب
حين تتحول الفضيحة من واقعة عابرة إلى ظاهرة اجتماعية، يصبح السؤال أبعد من «من فعل ماذا؟» إلى: من يصنع الانتباه، وكيف يتحول الجدل إلى قوة داخل المجتمع؟

رأي | دراسات وتحليلات
محمد جواد سيفاو
صحفي وباحث في الإعلام والمجتمع الرقمي
لم تعد الفضيحة مجرد نتيجة، بل مورداً قابلاً للتعبئة وإعادة التدوير
ليس المجتمع المغربي، في نعته المتسرع بـ”مجتمع التفاهة”، سوى ضحية قراءة أخلاقية كسولة لتحول بنيوي يعيد تشكيل شروط إنتاج القيمة الاجتماعية والرمزية. فالظاهرة التي يختزلها الخطاب الإعلامي السائد في عنوان “صعود نجوم الطوندونس” ليست، في جوهرها، أزمة أخلاقية ولا انهياراً للذائقة؛ إنها، بالأحرى، ثورة في اقتصاد الاعتراف الاجتماعي، أعادت تعريف العلاقة بين الفعل والصدى، بين الخاص والعام، وبين الشهرة والأهمية. لقد تجاوزت الفضيحة، في سياق المنصات الرقمية، كونها مجرد نتيجة محتملة للمحتوى، لتصبح، في بعض أنماط اقتصاد الانتباه، مورداً قابلاً للتعبئة وإعادة التدوير والتسييل، يمنح صاحبه، ولو مؤقتاً، موقعاً متقدماً في سوق المشاهدة.
في هذا المقال، نقترح قراءة سوسيولوجية صارمة لهذا التحول، مستندة إلى إطار نظري يمزج بين مفهوم بيير بورديو للرأسمال الرمزي، وبين الأبحاث المعاصرة حول حوكمة الانتباه في عصر الخوارزميات. ويُفهم الرأسمال الرمزي، في التصور البورديوي، بوصفه شكلاً من أشكال الرأسمال لا يكتسب فاعليته إلا عندما يُدرَك اجتماعياً ويُعترف به بوصفه ذا قيمة ومكانة. وهو يتشكل داخل تقاطع العلاقات والتصورات، ورهين بآليات الاعتراف والتمييز السائدة في كل حقل اجتماعي. أما اقتصاد الانتباه، فجذوره تمتد إلى ملاحظة هربرت سايمون الحائز على جائزة نوبل قبل أكثر من أربعين عاماً، حين أشار إلى أن وفرة المعلومات تجعل الانتباه مورداً نادراً. ومنذ ذلك الحين، أعادت الثورة الرقمية تشكيل كيفية إنتاج المعلومات وتوزيعها واستهلاكها، مما أحدث تحولاً جذرياً في من يتحكم في توزيع الانتباه، وبأي قواعد، وتحت أي مستوى من المساءلة.
لا همّ لنا في إصدار أحكام أخلاقية، بل في تفكيك المنظومة التي تجعل السلوك القابل للاستفزاز أكثر ربحية، في سياقات معينة، من السلوك القابل للمعرفة، وفي الكشف عن المفارقات التي تجعل الناقد نفسه جزءاً من آلة التضخيم التي ينتقدها. والمغرب، هنا، ليس مجرد حالة تثبت النظرية، بل حالة اجتماعية نختبر من خلالها صلاحية هذه النظرية، ونتساءل: كيف تعمل آليات إنتاج الشهرة والاعتراف في سياق رقمي مغربي، وما الذي يمكن أن تخبرنا به هذه الحالة عن تحولات أوسع في العلاقة بين المنصات والمجتمع والسلطة؟
من دور المؤسسة إلى رأسمال المشاهدة — تحول في آليات التقدير
في المجتمعات الحديثة، كما أوضح بورديو في أعماله المؤسسة (خاصة التمييز: نقد اجتماعي للحكم الذوقي ومنطق الممارسة)، كانت الشهرة والاعتراف الاجتماعي تُنتجان عبر مؤسسات وسيطة: المدرسة، الصحافة، التلفزيون، دور النشر، الأندية الرياضية، والأحزاب. وكانت هذه المؤسسات تؤدي دوراً مركزياً في توزيع الاعتراف والشرعية الرمزية، من خلال آليات انتقاء وتكريس لم تكن محايدة، بل كانت تعكس بدورها صراعات النخب وتناقضات الطبقات الاجتماعية. فالرأسمال الرمزي، في هذا السياق، كان يُكتسب تراكماً عبر الزمن، ويحتاج إلى مصادقة مؤسسية.
أما اليوم، ومع بلوغ عدد مستخدمي الإنترنت في المغرب 35.5 مليوناً، ووجود 22.8 مليون هوية نشطة على وسائل التواصل الاجتماعي بحلول نهاية 2025 — مع التنبيه، كما توضح منصة DataReportal نفسها، إلى أن “هويات المستخدمين” لا تعني بالضرورة أفراداً فريدين، بل قد تشمل حسابات متعددة للشخص الواحد — وفقاً لتقرير DataReportal للرؤى الرقمية العالمية، فإن هذه البوابات التقليدية قد تراجعت هيمنتها على مفاتيح الشهرة، من دون أن تختفي بالكامل.
لم تعد المؤسسة ضرورية بمفردها. الهاتف النقال، الكاميرا الأمامية، والقدرة على إنتاج لحظة صادمة — هذه الأدوات أصبحت قادرة، في سياقات معينة، على اختزال سنوات من العمل المؤسسي في أيام. لكن هذه السرعة ليست تفصيلاً تقنياً هامشياً؛ إنها تحول أنطولوجي في طبيعة الرأسمال الرمزي نفسه، وفي آليات إنتاجه وتوزيعه. فبينما كان الرأسمال الرمزي التقليدي يتطلب تراكماً زمنياً ومصادقة مؤسسية، فإن البيئة الرقمية تتيح شكلاً جديداً من التراكم الرمزي.
وهنا، لا نستخدم مفهوم “رأسمال المشاهدة” بوصفه مفهوماً مستقراً في الأدبيات السوسيولوجية، وإنما بوصفه مفهوماً إجرائياً نقترحه لوصف قدرة الفاعل الرقمي على تحويل تراكم الانتباه القابل للقياس إلى اعتراف اجتماعي، وفرص اقتصادية، وتأثير رمزي. وهو رأسمال لحظي، سريع التكوين، لكنه أيضاً سريع التآكل، مما يدفع صاحبه إلى إعادة إنتاج لحظات الصدمة باستمرار للحفاظ على تدفق الانتباه. وهكذا، يمكن تعريفه بأنه:
“القيمة الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تنتج عن تراكم الانتباه القابل للقياس حول شخص أو محتوى، وما يتيحه هذا الانتباه، في ظروف معينة، من فرص للإعلان والتأثير وتحقيق الدخل والاعتراف.”
هنا تكمن المفارقة البنيوية: الفضيحة، التي كانت في المنطق التقليدي تهديداً للسمعة، أصبحت في اقتصاد الانتباه أداة لإنتاج السمعة ذاتها. فالفعل الذي يفترض أن يخفض القيمة الاجتماعية قد يتحول، في سياق خوارزمي معين، إلى شكل من أشكال الرأسمال الرمزي. وهذا ليس مجرد انعكاس لتفاهة جمهور، بل هو نتاج طبيعي لمنطق منصة لا يميز بين الإعجاب والغضب، بل تقيس كليهما بنفس المقياس الأساسي: التفاعل.
الخوارزمية ليست آلة أخلاقية، بل آلة تحسين متعددة الأهداف
الخطأ المنهجي الفادح الذي ترتكبه معظم النقديات الإعلامية هو إسقاط صفات أخلاقية على الخوارزميات. الخوارزمية ليست شريرة، ولا هي أحمق، ولا هي محبة للتفاهة. الخوارزمية هي، ببساطة، نظام تحسين يعمل وفق أهداف ومعايير متعددة تختلف باختلاف المنصة، وقد تشمل: زيادة الوقت الذي يقضيه المستخدم، تعزيز التفاعل، تحسين الاحتفاظ، رضا المستخدم، السلامة، الإيرادات الإعلانية، والتحويلات التجارية.
كما تلاحظ الأبحاث المعاصرة، فإن أنظمة التوصية الخوارزمية “تعمل كنماذج لتفضيلاتنا الفردية وتوجه انتباهنا إلى المحتوى الذي من المرجح أن نتفاعل معه” [Schuster & Lazar, 2025]. غير أن هذا الاعتماد يحمل في طياته مخاطر أخلاقية ومعرفية؛ إذ يرى كل من شوستر ولازار أن “اعتمادنا المتزايد على التوصية الخوارزمية يهدد تطورنا وممارستنا لمهارة التوزيع الحكيم للانتباه”، وأن أنظمة التوصية “قد تعيق قدرتنا على الانتباه على النحو المناسب للعوامل ذات الصلة أخلاقياً”. وهذا يتقاطع مع ما تصفه منصات التواصل الاجتماعي، كما يلاحظ بينيشكي، بأنها لم تعد مجرد سوق للأفكار، بل أصبحت سوقاً للانتباه تُدار بقواعد خاصة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول “من يتحكم في كيفية توزيع الانتباه، وبأي قواعد، وتحت أي مستوى من المساءلة” [Benischke, 2026].
والمحتوى الجاد، التحليلي، المعرفي، يحتاج إلى سياق، ووقت، وتركيز، وجهد ذهني. أما الصراع، المفاجأة، الفضيحة، السخرية، والمبالغة، فهي قابلة للاستهلاك الفوري، وتستدعي ردود فعل انفعالية سريعة. ومن ثم، فليست الخوارزمية هي من تختار “الرديء” على “الجيد” بقصد، بل هي، بحكم تصميمها، قد تمنح أفضلية بنيوية للمحتوى الأسرع في توليد الاستجابة، خصوصاً عندما تكون مؤشرات التفاعل والاحتفاظ من العوامل المؤثرة في التوصية والتوزيع. هذا ليس حتماً قانونياً، بل هو اتجاه هيكلي ناتج عن منطق الحوافز الذي تعيد المنصات إنتاجه، كما تظهر ذلك دراسات تحليل الخلاصات بوصفها “تجميعات تنظيمية” (curatorial assemblages) حيث تتداخل الخوارزميات والبيانات والأجهزة والواجهات والمستخدمين في إنتاج القيمة التجريبية والاجتماعية [Bareither & Wirth, 2026].
من اقتصاد الانتباه إلى اقتصاد الفضائح
ليست كل مشاهدة رأسمالاً، وليست كل فضيحة قابلة للتحويل إلى قيمة. هذه نقطة ضرورية حتى لا يتحول التحليل نفسه إلى تعميم جديد. فالفضيحة لا تنتج القيمة تلقائياً، وإنما عندما تدخل في سلسلة من عمليات التحويل: أولاً، جذب الانتباه؛ ثم إثارة التفاعل؛ ثم إعادة التوزيع الخوارزمي؛ ثم إعادة التغطية الإعلامية؛ وأخيراً تحويل الشهرة إلى فرص تجارية أو رمزية. بهذا المعنى، لا تكمن القيمة الاقتصادية للفضيحة في مضمونها وحده، وإنما في قدرتها على الدخول في دورة تداول متكررة.
ومن هنا يمكن فهم الفرق بين الفضيحة بوصفها حدثاً والفضيحة بوصفها مورداً. الحدث ينتهي عندما تنتهي الواقعة؛ أما المورد فيستمر ما دام قابلاً لإعادة الإنتاج: مقطع جديد، تعليق جديد، رد جديد، بث مباشر، عنوان صحفي، فيديو تحليلي، أو معركة رقمية جديدة. وفي هذه المرحلة تحديداً يتحول الانتباه من نتيجة جانبية للحدث إلى مادة خام لإعادة إنتاج الحدث نفسه.
ولذلك فإن السؤال السوسيولوجي لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا يشاهد الناس الفضائح؟ بل: ما الآليات التي تجعل الفضيحة قابلة لإعادة التدوير إلى ما لا نهاية؟ ومن يربح من هذا التدوير؟ ومن يدفع تكلفته الاجتماعية؟
هنا يصبح اقتصاد الانتباه أكثر من مجرد اقتصاد للمشاهدة؛ إنه اقتصاد لإعادة تدوير الاستجابة الإنسانية نفسها: الغضب، الفضول، السخرية، التعاطف، الاشمئزاز، والعداء. وهذه المشاعر المختلفة، على الرغم من اختلاف قيمتها الأخلاقية، يمكن أن تصبح متقاربة اقتصادياً عندما تتحول إلى مؤشرات قابلة للقياس: مشاهدة، تعليق، مشاركة، متابعة، أو عودة إلى المنصة.
الإعلام التقليدي داخل دائرة التضخيم
المفارقة الأكثر إيلاماً في هذه الظاهرة هي دور الإعلام التقليدي نفسه. فالصحافة التي تنتقد “تفاهة المؤثرين” وتتوجس من “انهيار القيم”، تجد نفسها مضطرة، اقتصادياً، إلى تغطية فضائحهم، لأن هذه التغطية تجلب النقرات، والمشاهدات، والإعلانات. وهكذا، يتحول جزء من الإعلام من مؤسسة ناقدة إلى مضخم غير مقصود لظاهرة يزعم مقاومتها، فيندرج ضمن دائرة إعادة إنتاج الترند بدلاً من تفكيكه.
كل خبر عن مؤثر متهم، كل تفصيل من حياته الشخصية يُعاد نشره، كل تحليل أخلاقي يُكتب عنه، كل ذلك يمنحه حضوراً إعلامياً، وبالتالي حضوراً جماهيرياً، وبالتالي قيمة سوقية متزايدة. والإعلامي الذي يكتب نقداً لاذعاً لـ”الطوندونس” يساهم، دون أن يشعر، في إدامة ما ينتقده، لأن جملة “أكرهه” تصبح، في حساب الخوارزميات، مجرد تفاعل آخر يرفع الترتيب.
إننا أمام دائرة معرفية مغلقة: الجمهور يتابع، الخوارزمية توزع، الإعلام يعيد التدوير، والمؤثر يصبح أكثر شهرة، ثم يشتكي الجميع من أن الطوندونس لا يعكس سوى التفاهة. لكن السؤال السوسيولوجي الحقيقي ليس “من المسؤول؟” بل “كيف يمكن كسر هذه الدائرة دون العودة إلى وصاية نخبوية جديدة؟”
إلياس المالكي نموذجاً — ليس الشخص بل البنية
في معالجة قضايا الستريمر إلياس المالكي، يكرر الخطاب الإعلامي المغربي خطأ منهجياً فادحاً: اختزال الظاهرة في شخص، وتحويل المحاكمة القضائية إلى محاكمة أخلاقية شاملة للمجتمع الرقمي. بينما المقاربة السوسيولوجية الجادة تنطلق من سؤال مختلف: كيف استطاع نمط من صناعة المحتوى، القائم على استفزاز الخصوصية واستباحة الذات، أن ينتقل من الهامش إلى قلب النقاش العمومي؟
المالكي، مثل غيره من الأسماء البارزة، يمكن أن يكون حالة كاشفة (cas révélateur)، لكنه ليس تفسيراً للظاهرة. الظاهرة أوسع من أي فرد، وهي مرتبطة بمنظومة تشمل المنصة، الخوارزمية، الجمهور، الإعلان، الإعلام التقليدي، والمعلنين. والمتابعة القضائية، مهما كانت خطورتها، لا تعني، بذاتها، ثبوت المسؤولية الجنائية، بل هي جزء من سياق قانوني يجب فصله عن التحليل الاجتماعي، إن أردنا إنتاج صحافة جادة لا مجرد مادة مثيرة.
الأهم، أن تحويل شخص واحد إلى أيقونة للانحلال الأخلاقي يخدم، دون قصد، اقتصاد الانتباه نفسه، إذ يمنح الشخصية المركزية حضوراً مضاعفاً، ويُبقي الجمهور في حالة من الترقب والتداول. وهذا بالضبط ما يريده منطق المنصة: استمرار التفاعل، مهما كان نوعه.
الشهرة كصعود اجتماعي — تفاوتات داخل سوق الانتباه
إذا أردنا قراءة الظاهرة من منظور الطبقات الاجتماعية، يمكننا طرح فرضية تحليلية — تحتاج إلى اختبار ميداني مستقل — مفادها أن الشهرة الرقمية تمثل، لشريحة من الشباب المغربي، خيالاً واقعياً للصعود الاجتماعي السريع في مجتمع تعاني فيه فرص العمل الجيد والثروة والشبكات المهنية من تفاوتات بنيوية. لماذا تقضي عشر سنوات في بناء مسار مهني، إذا كان فيديو واحد قادراً على منحك جمهوراً بملايين المتابعين؟ ولماذا تنتظر اعتراف النخب، إذا كان الجمهور نفسه يمنحك الاعتراف؟
هذه الأسئلة ليست دليلاً على انهيار القيم، بل هي، من منظور تحليلي، استجابة عقلانية لحوافز جديدة أعادت تشكيل خرائط الطموح. غير أن هذه الفرضية تبقى استنتاجاً سوسيولوجياً يحتاج إلى بيانات مغربية مستقلة، وليس مجرد استقراء من اتجاهات عالمية. ومع ذلك، يمكننا الاستناد إلى ما توثقه المصادر الدولية حول تحول اقتصاد المؤثرين، مع التمييز الدقيق بين ما هو مثبت عالمياً وما هو مفترض محلياً.
فبحسب تحليل نشرته Vogue Business في 3 أغسطس 2026، فإن اقتصاد المبدعين العالمي يقترب من 250 مليار دولار، مع تقديرات من Goldman Sachs بوصوله إلى 480 مليار دولار بحلول 2027، وسط تزايد المنافسة وإرهاق الجمهور والمبدعين على حد سواء [Vogue Business, 3 Aug 2026]. غير أن هذا الاقتصاد الضخم لا يوزع عوائده بالتساوي. فالمنافسة على الظهور تنتج بدورها تركّزاً شديداً للعوائد: وفق بيانات ينقلها التقرير نفسه، يحصل أعلى 10% من المبدعين على 62% من إجمالي المدفوعات، بينما لا يصل إلى مستويات الدخل المرتفعة (من ستة أرقام) سوى 11% من المشاركين، بمتوسط دخل سنوي عالمي بلغ 44,293 دولاراً وفق بيانات CreatorIQ. وهكذا لا تكون المنصة بديلاً عن التفاوت الاجتماعي بقدر ما تعيد إنتاجه داخل سوق جديد للانتباه، حيث تتركز عوائد اقتصاد المبدعين بدرجة كبيرة لدى أقلية من المنتجين.
وهنا تبرز مفارقة إضافية: تشير المصادر نفسها إلى أن الجمهور لا يرفض المبدعين كفئة، بل يرفض المحتوى العام والمكرر وغير الأصيل، وأن هناك اتجاهاً صاعداً نحو المحتوى المتخصص، والمجتمعات الصغيرة ذات الولاء المرتفع، والمبدعين الذين يقدمون معرفة أو خبرة أو وجهة نظر مميزة [Vogue Business, Mar 2026]. بل إن Vogue نشرت في أبريل 2026 تقريراً عن صعود ما سمته “المؤثر المثقف” (the bookish influencer)، أي صانع المحتوى الذي يبني حضوره على المعرفة والخبرة والاهتمام المتخصص، لا على المظهر وحده [Vogue, Apr 2026]. وهذا يعني أن بيئة المنصات، رغم ميلها الهيكلي لمكافأة الإثارة السريعة، ليست محكومة بقانون حتمي ينتصر للسطحي دائماً؛ فهي تترك، في الوقت نفسه، مساحات للمحتوى العميق، شريطة أن يجد طريقه إلى الجمهور المناسب، وأن تتوفر له آليات توزيع عادلة. لكن السؤال البنيوي يبقى: إذا كان الانتباه قد أصبح شكلاً من أشكال الرأسمال، فمن يملك القدرة على تحويله إلى مال ومكانة، ومن يبقى مجرد مستهلك مجاني لهذا الانتباه، ومن يظل منتجاً لا يحصد سوى فتاته؟
الخصوصية كمورد اقتصادي — إعادة تعريف الخاص والعام
التحول الأكثر خطورة في منظومة المؤثرين هو تحويل الحياة الخاصة نفسها إلى مادة أولية للإنتاج. العلاقة العاطفية، الخلاف العائلي، البيت، الجسد، المرض، الانفصال، المشاجرة، الدموع، الغضب — كلها تصبح محتوى قابلاً للاستهلاك. وهذا ليس مجرد “حب ظهور”، بل هو إعادة تعريف جذرية للخصوصية ذاتها: فالخصوصية، في اقتصاد الانتباه، لم تعد حقاً يجب حمايته، بل أصبحت مورداً اقتصادياً يمكن استثماره، وتسييله، ومقايضته بالشهرة والمال، وإن كان ذلك غالباً على حساب الصحة النفسية والاستقرار الشخصي، كما تلمح تقارير إرهاق المبدعين.
والجمهور نفسه، في تناقض صارخ، يطالب المشاهير بالحفاظ على حياتهم الخاصة، لكنه يكافئهم، في الوقت نفسه، عندما يخرقون هذه الخصوصية بأنفسهم. هذه الازدواجية ليست سوى وجه آخر لمنطق السوق: نحن نريد أن ننظر، لكننا نريد أن نظهر وكأننا نرفض. وهنا يبرز دور الإعلام التقليدي مجدداً، إذ ينقل هذه الاختراقات ويضفي عليها شرعية الاهتمام، فيغذي الدورة ذاتها.
هل نحن أمام أزمة قيم أم أزمة مؤسسات؟
الإجابة، في ضوء التحليل السابق، هي أننا لسنا أمام أزمة أخلاقية بالمعنى المبسط، بل أمام أزمة في منظومة إنتاج القيمة الاجتماعية. السؤال لم يعد “ما الذي يستحق التقدير؟” بل “من يحدد ما يستحق التقدير؟”. في الماضي، كانت المدرسة، الجامعة، الصحافة، والمؤسسات الثقافية والنخب المهنية تؤدي دوراً مركزياً في هذا التحديد. اليوم، دخلت الخوارزمية إلى قلب هذه العملية، ليس بوصفها بديلاً محايداً، بل بوصفها آلية جديدة للتوزيع، لها منطقها الخاص، الذي لا يتطابق بالضرورة مع القيم المعرفية أو الجمالية أو الأخلاقية.
وهنا، يجب أن نعترف بأن المؤسسات القديمة لم تكن عادلة دائماً، بل كانت تعاني من الإقصاء والمحسوبية واحتكار الفرص. المنصة الرقمية قدّمت وعداً حقيقياً بالديمقراطية، وأتاحت لأصوات من خارج المؤسسات الوصول إلى جمهور واسع، وخلقت فضاءً جديداً للتعبير السياسي والثقافي في أفريقيا والعالم العربي، حيث أصبح صناع المحتوى يقدمون الأخبار والتفسير السياسي والتاريخي بلغة قريبة من الجمهور، مما يعكس تحولاً أوسع في علاقة الأجيال الشابة بالإعلام — وهي ظاهرة وثّقها تقرير صحيفة الغارديان حول المشهد الإعلامي الجديد في جنوب أفريقيا وكينيا ونيجيريا [The Guardian, 9 May 2026]. ولا يجوز إسقاط هذه المعطيات مباشرة على الحالة المغربية؛ فهي تقدم مقارنة إقليمية مفيدة، لا دليلاً تجريبياً على السلوك الإعلامي للمغاربة. لكنها تشير إلى إمكانية أن تكون المنصات، في سياقات أخرى، فاعلاً إيجابياً في توسيع الفضاء العمومي.
لذا، فالمعركة ليست ضد المؤثرين، ولا ضد الخوارزميات، ولا ضد الجمهور، بل هي من أجل إعادة بناء مؤسسات وسيطة قادرة على منح الاعتراف للمحتوى المعرفي والجمالي والأخلاقي، بسرعة وكثافة تنافسية، دون العودة إلى وصاية نخبوية ولا إلى سوقية عمياء. وهذا يتطلب استثماراً في التعليم الإعلامي، وفي الصحافة المستقلة، وفي المنصات البديلة، وفي تشجيع المحتوى العميق، وفي خلق حوافز اقتصادية للمبدعين الجادين، وفي تنظيم شفاف لاقتصاد المنصات بحيث لا يكرس التفاوتات القديمة بأدوات جديدة.
عروش الغبار لا تسقط بالوعظ، بل بتوقف الضخ وإعادة توجيه الانتباه
قد يكون من المزعج الاعتراف بأننا جميعاً، بدرجات متفاوتة، شركاء في صناعة الطوندونس. الجمهور يمنح الانتباه، المنصة تمنح التوزيع، المعلن يمنح المال، الإعلام يعيد التدوير، والمجتمع يعلن رفضه وهو يواصل المراقبة. لكن هذه المشاركة ليست خطيئة أخلاقية، بل هي انعكاس لحالة بنيوية لا يمكن معالجتها بالوعظ الأخلاقي ولا بالقوانين الزجرية وحدها.
العروش التي تُبنى من الغبار لا تسقط لأن الغبار رديء، بل تسقط عندما يتوقف الناس عن منحه القيمة، وعندما تعاد هيكلة الحوافز التي تجعله مربحاً. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: كيف نبني ثقافة رقمية تقدر العمق بقدر ما تقدر السرعة، وتعترف بالجدية بقدر ما تعترف بالترفيه، وتكافئ المعرفة بقدر ما تكافئ الإثارة، وتضمن توزيعاً أكثر عدالة لعائدات الانتباه؟ هذا ليس مشروعاً تقنياً، بل مشروع مجتمعي طويل الأمد، يبدأ من المدرسة، ويمر عبر الإعلام، ولا ينتهي عند تحسين الخوارزميات.
في النهاية، نحن لا نعيش عصر التفاهة، بل نعيش عصر الانتقال إلى اقتصاد الانتباه، حيث أصبحت الشهرة سلعة، والخصوصية مورداً، والفضيحة استثماراً، وحيث يعاد إنتاج التفاوت الاجتماعي داخل سوق جديدة للمشاهدة. والسؤال الأكثر إزعاجاً، الذي ينبغي أن تطارده الصحافة الجادة، ليس “من المسؤول؟” بل “كيف يمكننا، كمجتمع، أن نعيد تعريف النجاح الرقمي بحيث لا يكون الصراخ هو أقصر الطرق إليه، في وقت يسيطر فيه هذا الاقتصاد الضخم على مشهد الإنتاج الثقافي والإعلامي، وتتركز فيه عوائده في أيدي قلة؟”
ولعل أحد مداخل مواجهة هذه الظاهرة يبدأ من الصحافة نفسها: حين تتوقف عن تغذية الفضائح بوصفها أخباراً مكتفية بذاتها، وتنتقل إلى تفسير البنى التي تنتجها، فإنها تستعيد وظيفتها الأساسية: ليس ملاحقة ما يثير الانتباه فحسب، بل تفسير لماذا يستحق هذا الانتباه أن يُمنح، ولمن، وبأي ثمن. وحينها فقط، قد نكتشف أن الغبار لم يكن يوماً عروشاً، بل كان مجرد ضجيج، توقفنا نحن عن إعطائه قيمة، فتلاشى، أو على الأقل، تراجع إلى حجمه الحقيقي في خريطة الاهتمام العام.
هوامش المصادر
المصادر الأكاديمية (المرتكز النظري)
-
Bourdieu, P. (1984). Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste. Harvard University Press. — العمل المؤسس لمفهوم الرأسمال الثقافي والتمييز الاجتماعي.
-
Bourdieu, P. (1990). The Logic of Practice. Stanford University Press. — حيث يعرف الرأسمال الرمزي بوصفه شكلاً من أشكال الرأسمال لا يكتسب فاعليته إلا عندما يُدرَك اجتماعياً ويُعترف به بوصفه ذا قيمة ومكانة.
-
Bourdieu, P. & Wacquant, L. (1992). An Invitation to Reflexive Sociology. University of Chicago Press. — تأطير منهجي لمفهوم الحقل والرأسمال بأنواعه.
-
Schuster, N. & Lazar, S. (2025). “Attention, Moral Skill, and Algorithmic Recommendation.” Philosophical Studies, 182, 159–184. First published online 22 January 2024. — دراسة حول كيفية تأثير أنظمة التوصية الخوارزمية على مهارة توزيع الانتباه والمخاطر الأخلاقية لذلك.
https://link.springer.com/article/10.1007/s11098-023-02083-6 -
Benischke, M. (2026). “From Platform Design to Attention Governance: Rethinking Social Media Externalities.” Journal of Management Studies. First published online 19 May 2026. DOI: 10.1111/joms.70118. — تحليل لانتقال سلطة وضع القواعد من المؤسسات العامة إلى الأنظمة الخوارزمية الخاصة، وطرح مفهوم “حوكمة الانتباه”.
https://onlinelibrary.wiley.com/doi/full/10.1111/joms.70118 -
Bareither, C. & Wirth, S. (2026). “Social Media Feeds as Curatorial Assemblages: A Conceptual Framework.” Media, Culture & Society, 48(1), 73–88. First published online 30 July 2025. — تحليل للخلاصات الرقمية بوصفها تجميعات تنظيمية تتداخل فيها الخوارزميات والبيانات والأجهزة والمستخدمين في إنتاج القيمة.
https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/01634437251360372 -
Simon, H. A. (1971). “Designing Organizations for an Information-Rich World.” In M. Greenberger (Ed.), Computers, Communications, and the Public Interest. Johns Hopkins University Press. — المرجع الكلاسيكي الذي أسس لفكرة ندرة الانتباه في عصر وفرة المعلومات.
المصادر الصحفية والبيانات (المرتكز التجريبي)
-
[DataReportal، Digital 2026: Morocco] — الأرقام الرقمية المغربية (35.5 مليون مستخدم إنترنت، 22.8 مليون هوية نشطة على وسائل التواصل) مع التنبيه إلى أن “هويات المستخدمين” لا تعني بالضرورة أفراداً فريدين.
https://datareportal.com/reports/digital-2026-morocco -
[Vogue Business، مارس 2026] — تحليل تحول دور صناع المحتوى في استراتيجيات التسويق العالمية، وصعود المحتوى المتخصص والمجتمعات المخلصة.
https://www.vogue.com/article/how-influencer-marketing-is-changing-in-2026 -
[Vogue Business، 3 أغسطس 2026] — تقرير حول حجم اقتصاد المبدعين (250 مليار دولار، وتوقعات 480 مليار بحلول 2027)، وإرهاق الجمهور والمبدعين، وتركّز العوائد (أعلى 10% يحصلون على 62% من المدفوعات، متوسط الدخل 44,293 دولاراً).
https://www.vogue.com/article/consumers-are-fatigued-influencers-are-burnt-out-what-now -
[Vogue، أبريل 2026] — تقرير حول صعود “المؤثر المثقف” (bookish influencer) الذي يبني حضوره على المعرفة والخبرة.
https://www.vogue.com/article/less-internet-more-intellect-the-era-of-the-bookish-influencer -
[The Guardian، 9 مايو 2026] — تحول صناع المحتوى إلى وسطاء جدد للأخبار في أجزاء من أفريقيا (جنوب أفريقيا، كينيا، نيجيريا)، مع الإشارة إلى عدم إمكانية الإسقاط المباشر على السياق المغربي.
https://www.theguardian.com/world/2026/may/09/africa-influencers-news-consumption-social-media
هذا المقال هو قراءة سوسيولوجية نقدية، لا يمثل أي حكم قضائي أو أخلاقي على أي شخص أو جهة، ويقتصر على تحليل الظاهرة الاجتماعية في سياقها الرقمي والاقتصادي. جميع الاستنتاجات التحليلية تُعرض كفرضيات تفسيرية قابلة للنقاش، وليست حقائق مثبتة، وتحتاج إلى اختبار ميداني مستقل. والمغرب، هنا، يُعالج كحالة اجتماعية نختبر من خلالها صلاحية الإطار النظري، وليس كدليل تجريبي نهائي على تعميمات كونية.