المغرب بلا كاش؟ الأداء الرقمي يتقدم… والأوراق النقدية تسجل رقماً قياسياً
الأداء بالبطاقة والهاتف يتوسع فعلاً في المغرب، لكن حجم النقد المتداول بلغ سنة 2025 أعلى مستوى في تاريخ البلاد. ليست هذه قصة اختفاء الكاش، بل قصة اقتصاد يسير في اتجاهين معاً.

تحليل اقتصادي_News Lik
في جيب المغربي، ما تزال الأوراق النقدية تحتفظ بمكانتها القديمة. ورقة من فئة 20 درهماً لشراء الخبز، وأخرى من فئة 100 درهم لأداء خدمة، ونقود معدنية تنتقل من يد إلى أخرى دون أن تترك وراءها أثراً. وفي الوقت نفسه، يتحول الهاتف تدريجياً إلى محفظة مالية، ويدخل الأداء الإلكتروني إلى تفاصيل الحياة اليومية، من المتجر إلى الفاتورة إلى الشراء عبر الأنترنت.
السؤال المتداول هو: هل يتجه المغرب نحو مجتمع بلا كاش؟
المعطيات الرسمية لسنة 2025 تفرض سؤالاً أدق: كيف يمكن أن يتوسع الأداء الرقمي بهذه السرعة، وأن ترتفع كتلة النقد المتداول في الوقت نفسه إلى مستوى غير مسبوق؟
513 مليار درهم في التداول
خلال سنة 2025، بلغ رصيد الأوراق والقطع النقدية المتداولة 513 مليار درهم متم دجنبر، بارتفاع 15,5% مقارنة بالسنة السابقة، أي ما يعادل 30% من الناتج الداخلي الإجمالي، مقابل 28% سنة 2024 ومستويات تتجاوز 20% بقليل قبل الأزمة الصحية. ووُصف هذا النمو في التقرير السنوي حول الاستقرار المالي، الذي يصدر عن بنك المغرب بشراكة مع هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي والهيئة المغربية لسوق الرساميل، بأنه استثنائي وغير متوقع، متجاوزاً حتى الرقم القياسي المسجل سنة 2020 في ذروة الجائحة. (لوزيكو)
وفي التفصيل: 3,4 مليار ورقة بنكية متداولة بارتفاع 15%، وعدد مماثل من القطع النقدية بارتفاع 3%. الأوراق البنكية وحدها تمثل 508,5 مليار درهم، أي 99% من القيمة الإجمالية. أما السحوبات الصافية فقد بلغت 69 مليار درهم مقابل 32 مليار درهم سنة 2024. (أوجوردوي لوماروك، نقلاً عن معطيات بنك المغرب)
توضيح للقارئ حول الأرقام: يتداول في الإعلام رقمان مختلفان لسنة 2025. فالتقرير السنوي لبنك المغرب، المقدَّم إلى الملك في 20 يوليوز 2026، يتحدث عن 491 مليار درهم بارتفاع 18,5%، أي 28,5% من الناتج الداخلي الإجمالي، ويصنّف هذه النسبة ضمن الأعلى دولياً. (لوماتان) الاختلاف بين الرقمين يعود على الأرجح إلى الفرق بين المتوسط السنوي والرصيد المسجل في نهاية السنة، غير أن هذا التفسير يبقى استنتاجاً لم يرد صراحة في الوثائق التي اطلعنا عليها. ما هو مؤكد ولا خلاف حوله: الاتجاه تصاعدي وقوي.
في المقابل، الرقمي يتقدم فعلاً
ارتفاع الكاش لا يعني ركود الأداء الإلكتروني. المؤشرات تظهر توسعاً حقيقياً خلال السنة نفسها:
- الأداءات المنجزة عبر أجهزة الأداء الإلكتروني (TPE) بلغت 93,4 مليار درهم مقابل 82 مليار درهم سنة 2024.
- الأداءات عبر الأنترنت ارتفعت إلى 12,1 مليار درهم مقابل 11 مليار درهم.
- حجم المعاملات المنجزة عبر حسابات الأداء ارتفع بنسبة 26% ليبلغ 54,7 مليار درهم، مدعوماً برقمنة الدعم الاجتماعي المباشر الذي مثّل وحده 24,2 مليار درهم.
- عدد التجار المنخرطين بلغ 72.256 تاجراً، منهم 68.409 مجهزون بأجهزة أداء و3.847 تاجراً إلكترونياً. (أوجوردوي لوماروك، نقلاً عن معطيات بنك المغرب)
المؤشر الأكثر دلالة قد يكون الأصغر حجماً: متوسط قيمة العملية الواحدة تراجع من 426 درهماً إلى 383 درهماً. تراجع سلة الأداء يعني أن الوسائل الرقمية بدأت تُستعمل في معاملات صغيرة كانت تُؤدى سابقاً نقداً. هذا تغيّر في العادة اليومية، لا مجرد ارتفاع في الأرقام الكبرى.
أما تراجع عدد أجهزة الأداء الإلكتروني بنسبة 14% ليستقر في 81.259 جهازاً، فلا يعكس انكماشاً بل عملية تنظيف للأجهزة الخاملة: نسبة التفعيل انتقلت من 72% سنة 2024 إلى 93% سنة 2025، أي 75.265 جهازاً مستعملاً فعلياً، فيما أصبح 65.389 جهازاً، أي 80% من المجموع، يقبل الأداء عبر المحفظة الإلكترونية.
ويبقى التوزيع الجغرافي غير متوازن: نحو ثلث الأجهزة في جهة الدار البيضاء-سطات (33%)، تليها مراكش-آسفي (20%)، ثم الرباط-سلا-القنيطرة (14%)، فطنجة-تطوان-الحسيمة (9%).
لماذا يصمد الكاش؟
أنجز بنك المغرب سنة 2025 دراسة معمقة لتحديد محددات استعمال النقد. ووفق ما نُشر عنها، تتقاطع عدة عوامل:
وزن قطاعات بعينها، وفي مقدمتها التجارة والبناء والأشغال العمومية وبعض المهن الحرة، حيث يظل الأداء نقداً هو السائد. الاقتصاد غير المهيكل، الذي قدّره البنك المركزي بمتوسط 34% من الناتج الداخلي الإجمالي في الفترة 2021-2023، مقابل نحو 30% في الفترة 2009-2019. الطلب الاحتياطي، إذ تدفع فترات عدم اليقين الأسر والمقاولات إلى الاحتفاظ بالسيولة، كما حدث سنة 2020 حين ارتفع التداول النقدي بنسبة 20,1%. يضاف إلى ذلك عوامل ظرفية خاصة بسنة 2025: نشاط اقتصادي أقوى، ومداخيل سياحية قياسية، ودعم مباشر للكسّابة. (لوبريف)
اختزال الظاهرة في “عادة ثقافية” تفسير ناقص إذن؛ فالبنك المركزي نفسه يربطها ببنية الاقتصاد لا بذوق المستهلك. لكن التمييز ضروري هنا: ارتفاع الكاش مؤشر يستدعي التحقق، وليس دليلاً في حد ذاته على وجود جرائم مالية. التقرير يشير إلى مخاطر مرتبطة بالشفافية المالية والتهرب الضريبي والمعاملات خارج القنوات الرسمية، والإشارة إلى مخاطر ليست إثباتاً لوقائع.
من يوجد خارج النظام؟
هنا تظهر مفارقة ثانية.
وفق معطيات بنك المغرب، ارتفعت نسبة البالغين الذين يتوفرون على حساب بنكي إلى 58% سنة 2024 مقابل 53% سنة 2020، مع 22,6 مليون بطاقة بنكية و13,7 مليون محفظة إلكترونية. (لوبريف)
لكن قاعدة بيانات Global Findex 2025 الصادرة عن البنك الدولي، والمبنية على استطلاع ميداني أُنجز خلال سنة 2024، تعطي صورة مختلفة: نحو 44% فقط من البالغين المغاربة يتوفرون على حساب بنكي أو محفظة إلكترونية، أي أن قرابة 15,51 مليون بالغ من أصل 27,89 مليون يوجدون خارج الحساب الرسمي. (البنك الدولي — لوبينيون)
الفارق بين 58% و44% لا يعني بالضرورة أن أحد الرقمين خاطئ. الأول يستند أساساً إلى معطيات المؤسسات المالية، والثاني إلى تصريحات الأفراد أنفسهم. والفجوة بينهما قد تعكس واقعاً معروفاً: امتلاك حساب لا يعني استعماله.
وتبقى الفجوة بين الجنسين النقطة الأكثر إثارة للانتباه. فوفق نسخة Findex لسنة 2021، كان 56% من الرجال يتوفرون على حساب مقابل 33% فقط من النساء، أي فارق 23 نقطة مئوية، وهو من أعلى المستويات في المنطقة. (مكتب المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة للتمويل الشامل) المعطى المحيّن لسنة 2024 بحسب الجنس لم يتوفر لدينا عند إعداد هذا المقال.
التاجر الصغير هو نقطة الحسم
بالنسبة لتاجر القرب، الأداء الإلكتروني ليس خياراً تكنولوجياً بل معادلة تكلفة. ولهذا تحرّك المنظِّم.
بموجب القرار التنظيمي رقم 265/و/2026 الموقَّع في 6 يوليوز 2026، قرر بنك المغرب خفض السقف العام لرسوم التبادل الخاصة بالأداءات الإلكترونية المحلية من 0,65% إلى 0,50% دون احتساب الضريبة، ابتداءً من فاتح أكتوبر 2026، مع سقف مخفَّض إلى 0,15% لخدمات الإدارة الإلكترونية (e-Gov) وللمعاملات المنجزة لدى تجار القرب. وأعاد القرار التأكيد على منع تحميل هذه العمولة للزبون، إذ تبقى على عاتق التاجر حصرياً مهما كانت قناة الأداء. (بلاغ مشترك لمجلس المنافسة وبنك المغرب — لوماتان)
ويشمل السقف التفضيلي نقاط البيع المستقلة التي لا يتجاوز رقم معاملاتها السنوي 500.000 درهم في نظام المقاول الذاتي، أو مليوني درهم في إطار المساهمة المهنية الموحدة، مع استثناء المتاجر المدمجة والامتيازات التجارية والتوزيع الكبير والمتوسط والأشخاص المعنويين. (لاكوتيديان)
يأتي هذا الإجراء في سياق إنهاء وضعية شبه الاحتكار التي كان يمارسها مركز النقديات (CMI) في سوق الاقتناء، بعد قرار مجلس المنافسة، حيث انتقل عدد الفاعلين من ثلاثة سنة 2024 إلى نحو عشرة متم 2025، مع استكمال تفويت محفظة عقود التجار في أبريل 2026.
لكن الإصلاح يواجه أسئلة مشروعة. فقد أشارت “لوزيكو”، نقلاً عن خبير في القطاع، إلى أن النص لا يفرض صراحة تمرير الخفض إلى العمولة النهائية التي يؤديها التاجر، وإلى صعوبات محتملة في تصنيف “تاجر القرب”، وإلى أن البطاقات الأجنبية تظل خارج هذا التأطير بمتوسط عمولة يقارب 1,7% حسب التقدير ذاته. (لوزيكو) وهي ملاحظات خبير، لا معطى رسمياً مؤكداً.
إلى جانب التسعير، يقترح بنك المغرب رافعات أخرى: تعميم رقمنة الأداءات الحكومية، وإحداث صندوق لتجهيز التجار بأجهزة أداء منخفضة التكلفة، وإطلاق منصة موحدة للأداء الفوري تعتمد رمز استجابة سريعة قابلاً للتشغيل البيني، وإصلاح الإطار القانوني مع تعميم الفوترة الإلكترونية.
ما تثبته المعطيات، وما لا تثبته
تثبته: أن الأداء الرقمي يتوسع بوتيرة حقيقية ويدخل تدريجياً إلى المعاملات الصغيرة؛ وأن كتلة النقد المتداول بلغت سنة 2025 أعلى مستوياتها التاريخية بنسبة إلى الناتج تُصنَّف ضمن الأعلى دولياً؛ وأن المنظِّم اتخذ إجراءات ملموسة لخفض كلفة الأداء الإلكتروني على التجار.
لا تثبته: أن المغرب يتجه نحو مجتمع “بلا كاش” في أفق منظور؛ ولا أن ارتفاع الكاش دليل في حد ذاته على اتساع الجريمة المالية؛ ولا أن ارتفاع عدد المحافظ الإلكترونية يعني بالضرورة استعمالها الفعلي المنتظم.
ما وراء الأداء
التحول الحقيقي قد لا يكون في اختفاء الورقة النقدية، بل في تغيّر علاقتنا بها. فكل عملية رقمية تترك أثراً: من دفع، ومتى، وأين، ولمن. وهو ما ينقل النقاش من مجال وسائل الأداء إلى مجال أوسع يشمل حماية المعطيات الشخصية، الخاضعة بالمغرب للقانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.
وبين تاجر يحسب هامشه بالسنتيم، وامرأة في العالم القروي بلا حساب، ومواطن يفضّل ما يمكن وضعه في الجيب، يبقى السؤال الأهم ليس متى يختفي الكاش، بل: من الذي سيدخل النظام المالي الجديد، ومن سيبقى خارجه؟
ما ستتابعه NewsLIK في هذا الملف: التوضيح الرسمي للفارق بين رقمَي 491 و513 مليار درهم؛ والأثر الفعلي لخفض رسوم التبادل على عمولة التاجر بعد فاتح أكتوبر 2026؛ والمعطيات المحيّنة للشمول المالي بحسب الجنس والوسط القروي.
ملاحظة حول المصادر: تستند الأرقام الواردة في هذا المقال إلى تقارير بنك المغرب لسنة 2025 وإلى قاعدة بيانات Global Findex 2025 للبنك الدولي، عبر ما نشرته منابر إعلامية مهنية وما أتاحته الجهات الرسمية من بلاغات. تنشر تقارير بنك المغرب على موقعه الرسمي: bkam.ma.
إذا لاحظتم خطأً في هذا المقال، راسلوا هيئة التحرير وسنقوم بتصحيحه وتوثيق التصحيح.




