الهجرة غير النظامية من سبتة إلى سؤال التفاوتات الاجتماعية والمجالية
قراءة سوسيولوجية في التفاوتات الاجتماعية والمجالية، ومخيال الهجرة، وأوضاع الشباب والقاصرين في ظل اختلال فرص العيش الكريم

رأي_News Lik
بقلم: Mohamed Agorram
تعتبر الهجرة الغير النظامية من الظواهر الإجتماعية المستجدة والتي فرضت نفسها بقوة على العلوم الإجتماعية المعاصرة كونها تسائل البعد الإقتصادي والإجتماعي والسياسي والثقافي بل والإنساني الذي بدوره يعيش في زمننا عدة اختلالات أخلاقية معقدة …حيث لم يعد هذا الفعل يقتصر على بعده المادي المتمثل في انتقال الفرد من مجال لمجال بغية المعاش أو الإسقرار الجغرافي ، فالأمر اليوم يعكس اختلالات إنسانية لسياسات الدول المادية والتفاوتات واللاعدالة في توزيع الفرص والحظوظ مايجعل الفجوة في استقرار الحدود الجغرافية واستقرار البلدان الداخلي ،وبالتالي انتقال الموضوع من مادة جامدة إلى ضرورة تناوله كظاهرة اجتماعية لها رمزية ومعاني مختلفة تستحق التنوير والتحليل ثم مخرجات تحترم الإنسانية جمعاء .
وتشكل واقعة سبتة نموذجا حيا لهاته الظاهرة نظرا لشكلها الظاهر المتمثل في نزوح أعداد مهمة من المهاجرين منهم أطفال رضع وكبار نساء ورجال الأمر الذي أثار اهتمام بل وصدمة الرأي العام العالمي والمحلي مستفسرا عن أسباب هذه الهجرة التي شكلت محطة أخرى لإعادة النظر في كيفية تسيير الشأن المغربي واحتواء الناس والوقوف على مكامن الخلل .ناهيك عن العلاقات بين البلدين …
وهنا تبرز لنا إشكالية مفادها : كيف يمكن للسوسيولوجيا المعاصرة تفسير ظاهرة الهجرة الغير النظامية من خلال واقعة سبتة ، وما العوامل المساهمة في إنتاجها واستمرارها ؟
فمن المنظور السوسيولوجي يمكن اعتبار الهجرة نتاج لازدواجية تفاعل العوامل الفردية /البنيوية ، فالفرد لا يختار الإقدام على الفعل ويهاجر عن طيب خاطر بل واقعه المؤلم هو المحدد الأساس للتفكير في الهجرة ، ظروفه ومسؤوليات الأسرة ودخله المادي بل الأكثر من هذا تمثلاثه للمستقبل المجهول في بلده هاته الأخيرة تلعب دورا هاما حيث تؤثر بشكل كبير على نفسية الأفراد …
فالعلوم الإجتماعية باعتبارها تدرس العمق والمعنى والسلوك يمكن فهم هذه الظاهرة كونها رد فعل لا فعل ،فهي تعبير الفرد عن عدم المساواة الإجتماعية والمجالية ،فحين يشعر الشباب بوجود فجوة كبيرة بين طموحاتهم والإمكانات المتاحة أمامهم يصبح الانتقال إلى مجال آخر وسيلة لإعادة بناء المستقبل وتحقيق المكانة الاجتماعية ،وبالتالي تحقيق الذات وتغيير الوضع الإجتماعي …
ويمكن أيضا الإشارة هنا إلى رمزية الحدود الجغرافية والتي تعكس معاني أخرى تتخطى صورتها المجالية إلى اعتبارها فضاء سياسي اجتماعي يمارس فيه التحكم في الأفراد بشكل أو بشكل آخر ،وقد كشفت الواقعة عن حضور قوي لفئة الشباب والقاصرين . الأمر الذي يطرح تساؤلات حول علاقة الهجرة بأوضاع الطفولة والشباب في المجتمعات المعاصرة، فالمراهق الذي يخاطر بعبور الحدود قد يكون متأثرا بتصورات جماعية عن النجاح ،وبإحساس بعدم وجود مستقبل واضح في محيطه الأصلي.
وبالتالي يمكن القول أن مسببات الهجرة الغير النظامية تقتصر في مقاربات وعوامل عدة مبنية بالأساس على التفاوتات المعاشة داخل البلد أولا جنوب / شمال ، مركز /جبل و المقارنات المهولة في الفرص والإحتواء والكرامة والعيش الكريم مع العالم ،ثم التصورات والمعاني المكونة لمخيال المهاجر ، وهنا نتحدث أساسا على الإقصاء الإجتماعي للأفراد …
ويستخلص إجمالا على أن موضوع الهجرة الغير النظامية يفرض إعادة النظر في ملامسة الأسباب والعوامل الحقيقية من فقر وتفاوتات اجتماعية ومجالية، ومساءلة السياسات العمومية…، حيث ينبغي الإنتقال من النظر إلى المهاجر باعتباره مخالف للقانون إلى ضرورة فهم الظروف الإجتماعية والبنيوية التي تدفع إلى الإقدام على الهجرة …
وبالتالي فالظاهرة مركبة تتداخل فيها العوامل وتتعقد معالجتها لا تقتصر فقط على ما هو أمني رقابي حدودي مادي ، فالأمر يستدعي حكامة لتحليل المعاني والكيفيات والبحث في الأسباب والعوامل واحترام الذات والعيش الكريم والعدالة الإنسانية عن طريق تحسين الدخل وتوفير فرص العمل وتحسين شروط الإندماج الإجتماعي عبر تقليص الفوارق المجالية وبالتالي فتح مسارات آمنة للهجرة …